"الإخوان وثورة يوليو.. العسل المر!"

 

 

 

 
 

يتضح تأثير جماعة "الإخوان المسلمون" واتساع قاعدتها إذا علمنا أن الرئيس الراحل "جمال عبد الناصر" كان عضوا في الجماعة قبل قيام ثورة يوليو وكان هو -بصفته ضابطا في الجيش- المسئول -لفترة قصيرة- عن تدريب كوادر الإخوان على إطلاق النار واستخدام الأسلحة، وإن كان قد انفصل عن الجماعة قبل قيام ثورة يوليو، ومع ذلك حدث تنسيق ما بين الضباط الأحرار وبين الإخوان المسلمين قبل قيام الثورة يضمن وقوف الإخوان إلى جانب الثورة ورجالها، ولعل هذا التوافق هو الذي جعل رجال الثورة يستثنون جماعة الإخوان المسلمين من قرارهم بحل ووقف نشاط كل الأحزاب والجماعات السياسية في يناير 1953، إلا أن شهور العسل بين ثورة يوليو والإخوان المسلمين لم تدم طويلا..

فالإخوان المسلمون -استنادا إلى دورهم في الحياة السياسية قبل قيام الثورة في مصر وفي الدفاع عن فلسطين- بدءوا في المطالبة بمشاركة ضباط يوليو في الحكم، وعلى الجانب الآخر كان رجال الثورة يواجهون أزمة داخلية كبيرة تلك التي عرفت بـ"أزمة مارس" بين مطالبة بعضهم بالعودة إلى ثكنات الجيش وترك سدة الحكم للمدنيين، وبين فريق آخر يرى بأن الحكم العسكري هو الأنسب للبلاد، وهي الأزمة التي انتهت بتحديد إقامة الرئيس "محمد نجيب" وقيام مجلس قيادة الثورة برئاسة "عبد الناصر" بمهام رئيس الجمهورية، وبات واضحا أن الطرفين –الإخوان ورجال الثورة- لم يعد يتحمل أحدهما وجود الثاني فبدأ الصدام قويا بين الطرفين.

 ففي أكتوبر 1954 كان "عبد الناصر" يلقي خطابا في المنشية بالإسكندرية عندما أطلق الرصاص عليه "محمود عبد اللطيف" أحد أعضاء "الإخوان المسلمون" المنتسبين للجناح العسكري فيها، ومع تسليم الإخوان بأن "عبد اللطيف" منهم إلا أنهم نفوا مسئوليتهم عن الحادثة أو بالأحرى نفوا مسئولية الجماعة بأكملها عن الحادث بالإشارة إلى أنه حادث فردي دُفع "عبد اللطيف" للقيام به حتى يتم تقديم "عبد الناصر" للجماهير كبطل شعبي خاصة بعد أزمة مارس، وهي الرواية التي لم تجد لها أي سند قوي حتى الآن.

كان "حادث المنشية" نقطة الصدام الأقوى بين "عبد الناصر" والإخوان إذ تم إعدام ستة من أعضاء الجماعة بعد الحادث وسجن أعداد كبيرة من الإخوان لعدة سنوات، في هذا الوقت هاجر عدد كبير من أعضاء الجماعة إلى الخارج، وكانت هذه الهجرة سببا في نشر أفكار الجماعة في المزيد من الدول العربية والإسلامية.. "حركة حماس في فلسطين تعد امتدادا لجماعة الإخوان المسلمين".
في عام 1964 كانت الجولة الثانية بين نظام "عبد الناصر" والإخوان المسلمين، إذ خرج "سيد قطب" -أحد أهم قيادت الإخوان- من السجن بعد 10 أعوام قضاها في السجون قام فيها بتأليف عدد من الكتب أهمها "معالم في الطريق" الذي تطرق فيه لمبدأ "الحاكمية" داعيا لأن تكون "شريعة الله هي الحاكمة، وأن يكون مرد الأمر إلى الله وفق ما قرره من شريعة مبينة"، وهو المبدأ الذي يعتقد كثير من الباحثين أنه كان اللبنة الأولى في حركات التشدد الديني والعنف المستند إلى الدين الذي انتشر في مصر والعالم العربي بعد ذلك.
في عام 1965 تم إلقاء القبض على "سيد قطب" مرة أخرى بتهمة الترويج لأفكار ضد النظام ثم أن تم الحكم عليه بالإعدام، ويعد إعدام "سيد قطب" أهم الأحداث التي مرت على الإخوان منذ اغتيال مؤسس الحركة "حسن البنا".

الإخوان والسادات.. الخروج عن النص!

بعد أن تولى الرئيس "أنور السادات" رئاسة البلاد اهتم بالتخلص من رجال الرئيس "عبد الناصر" الذين شكل معظمهم مراكز للقوى تتنازع معه السلطة، ظل الإخوان في هذه المعركة على الحياد إلى أن انتهت لصالح السادات، الذي ازداد موقفه قوة بشكل ملحوظ بعد نصر أكتوبر عام 1973، بعدها مال "السادات" إلى فك القبضة المحيطة بحركة الإخوان المسلمين وسمح لأفرادها بأن يعاودوا نشاطهم من جديد –أملا في أن يحدث ذلك توازنا في الشارع السياسي الذي كانت تسيطر عليه الحركات اليسارية والشيوعية- وبدأ الإخوان في ممارسة نشاطهم بفاعلية ملحوظة، وعادت مجلة "الدعوة" لسان حال الجماعة للصدور مرة أخرى، وبدأت الجماعة في تكوين الأسر والجماعات الإسلامية داخل الجامعات، وبرغم كل هذا النشاط فإن الرئيس "السادات" لم يمنح للإخوان المسلمين الشرعية الرسمية، إلا أن العلاقة بين الطرفين لم تستمر هكذا، فالطبيعي أن طموحات الإخوان المسلمين أخذت في الازدياد في ذات الوقت الذي رأى فيه الرئيس "السادات" أن هذه الطموحات تشكل خروجا على النص المتفق عليه بينه وبين الجماعة، واشتد الخلاف بين الطرفين بعد معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل عام 1979، ثم قام "عمر التلمساني" المرشد العام للجماعة بتوجيه أكبر نقد علني للـ"السادات" عبر شاشات التليفزيون عندما قال له "إني أشكوك إلى الله" بعدما ظن بأن "السادات" استدرجه للقاء من أجل السخرية منه.

في سبتمبر 1981 كان الصدام العنيف بين "السادات" وبين كل التيارات السياسية الموجودة على الساحة ومن ضمنها –بطبيعة الحال- الإخوان المسلمون إذ تم اعتقال أكثر من 1500 ناشط ورمز سياسي من ضمنهم "عمر التلمساني" وآخرون من جماعة الإخوان المسلمون، وظل هؤلاء رهن الاعتقال إلى أن تم اغتيال الرئيس "السادات" في 6 أكتوبر 1981 وتولى الرئيس "مبارك" منصب رئيس الجمهورية، وكان أول قرار له هو الإفراج عن كل معتقلي سبتمبر بما فيهم رجال الإخوان، بعدها فتحت صفحة جديدة بين الإخوان والسلطة.

  • Currently 50/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
16 تصويتات / 223 مشاهدة
نشرت فى 29 يونيو 2005 بواسطة anbaa1

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

647,261