آنسة كونداليزا عندنا!

 

 

 


 
 
 
في زيارتها الأولى لمصر في الأسبوع الماضي بدا وكأن "كونداليزا رايس" وزيرة الخارجية الأمريكية تصالح الحكومة المصرية؛ لأنها تخطت مصر، ولم تزرها في جولتها الأولى للشرق الأوسط في مارس الماضي.

في هذا الوقت كانت قضية "أيمن نور" رئيس حزب الغد قد وصلت إلى ذروتها، وكان رئيس الحزب المعارض يقضي عقوبة الحبس الاحتياطي على ذمة القضية التي اتُهِم فيها بتزوير توكيلات المؤسسين لحزب الغد.

وتلقت الصحافة الأمريكية القضية باعتبارها اعتداءً على معارض مصري نجح في تقديم نفسه على أنه المعارض الأكبر والمنافس الأهم للرئيس "مبارك" في الانتخابات الرئاسية، وقتها تداولت تقارير صحفية أن السبب الرئيسي في تجاوز "كوندي" -كما يدللها الرئيس الأمريكي "جورج بوش"- لمصر كان بسبب اعتقال "أيمن نور"؛ وهو الأمر الذي أكده دعوة الخارجية الأمريكية نفسها إلى الإفراج عنه.

ولذا كان متوقعا أن يكون "أيمن نور" نفسه واحدا من ضمن عشرة أشخاص تم اختيارهم بعناية للقاء خاص بوزيرة الخارجية الأمريكية، فكان معه "هشام قاسم" نائب رئيس حزب الغد ورئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان في ذات الوقت، وثلاث شخصيات من الحزب الوطني الحاكم تم تصنيفهم على أنهم من فصيل التيار الإصلاحي في الحزب وهم "د.أسامة الغزالي حرب" و"د. منى ذو الفقار" و"د.حسام البدرواي"، إضافة إلى اثنين ممثلين لحزب "الوفد" "محمود أباظة" نائب رئيس الحزب، و"منير فخري عبد النور" رئيس الكتلة البرلمانية لحزب الوفد في مجلس الشعب، إضافة إلى ممثلين عن جماعات لحقوق الإنسان، والكاتبة الصحفية "إقبال بركة".

كانت هذه هي أول مرة يتم فيها اللقاء -العلني- بين مسئول أمريكي وممثلين للمجتمع المدني في مصر، ومن الواضح أن الاختيار تم بحيث يضم أطرافا من الحكومة والمعارضة؛ بحيث لا يظهر أن الولايات المتحدة تحابي طرفا على حساب آخر.

لكن اللافت أن اللقاء خلا من ممثلين لحركة الإخوان المسلمين -الذين أعلنت كونداليزا في محاضرتها في الجامعة الأمريكية أنه لا حوار أمريكياً معهم- أو لحزب التجمع أو للحزب الناصري، ربما لأن هذه الجهات هي الأكثر إظهارا للعداء للسياسة الأمريكية، إضافة إلى حركة كفاية التي أعلن "جورج إسحاق" المنسق العام لها أنه لن يحضر هذا اللقاء رغم دعوته إليه.

تفاصيل الجلسة المغلقة التي تسربت للخارج جاءت فاترة وباردة وتخلو من التصريحات الساخنة، وبدت وكأنها جلسة على مقهى سياسي يحاول كل طرف فيها استمالة الآخر لحسابه، ثم قام الجميع وقد تعرفوا على بعضهم البعض دون أن ينجح طرف في ضم الآخر لصفوفه "السؤال هنا من دفع حساب المشاريب!".

تمشيا مع هذه الجلسة الباردة، بدت زيارة "كونداليزا" شكلا من أشكال "جس النبض الإصلاحي"، ومحاولة للاقتراب من صورة الحياة السياسية في مصر والتعرف على كل أطرافها دون تحيز لطرف على حساب آخر، أو دون التلويح "بكارت بلانش" لهذا أو ذاك.

فمحطاتها الأربع في زياراتها والتي بدأت بلقاء الرئيس "مبارك" في "شرم الشيخ" ثم مؤتمر صحفي مع وزير الخارجية "أحمد أبو الغيط" ثم محاضرة في الجامعة الأمريكية، وأخيرا اللقاء مع عشر شخصيات عامة وصفت بالإصلاحية، جميعها كانت في العموميات، ولم تهتم بالتركيز على تفصيلة واحدة.

حتى التصريح الوحيد الذي وصف بأنه الأقوى لأنه استخدم لهجة الأمر عندما قالت في المؤتمر الصحفي "أنه يجب إجراء انتخابات رئاسية نزيهة، ويجب أن تتاح للمعارضة فرص متساوية في الظهور في وسائل الإعلام"، هو الآخر لم يكن جديدا؛ لأنه مطلب أساسي لقوى المعارضة المصرية، ولا حاجة لاستيراده من الخارج، وإن كانت هذه اللهجة التي تكلمت بها وصفت بأنها غير لائقة دبلوماسيا.

"د.حسن نافعة" أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة علق على زيارة "كونداليزا" الفاترة لمصر في تصريحات لإذاعة البي بي سي قائلا:
"إن هناك لعبة بين الولايات المتحدة الأمريكية والأنظمة العربية يمكن أن يطلق عليها لعبة "الابتزاز المتبادل"..
قواعد اللعبة تقضي بتلويح الولايات المتحدة بخيار الديمقراطية الذي بطبيعة الحال لا يحلو للأنظمة العربية، وذلك من أجل أن تنال المزيد من التنازلات في القضية الفلسطينية لصالح إسرائيل، وفور حدوث هذه التنازلات فإن الأنظمة العربية تعكس الأدوار وتستفيد هي من خلال التلويح بالتنازلات السابقة من أجل البقاء في الحكم مدة أطول."

الشاهد أن لعبة "الإصلاح والديمقراطية المصرية" التي زاد عدد الأطراف المشاركين فيها بشكل واضح لا تحركها مصلحة البلاد فحسب، بل إن كل طرف -وبخاصة الخارجي منها- يحاول أن يستفيد من هذه اللعبة بأقصى درجات الاستفادة لصالحه الشخصي، ولذا فإن قواعد اللعبة اقتضت أن تكون زيارة الآنسة "كونداليزا" هذه المرة فاترة، لكن من يدري ربما تكون زياراتها القادمة ساخنة كاللهيب.. أو باردة كالثلج!


  • Currently 84/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
27 تصويتات / 210 مشاهدة
نشرت فى 29 يونيو 2005 بواسطة anbaa1

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

647,015