بدت لبنان في الأسابيع الماضية التي شهدت الانتخابات النيابية وكأنها في فرح حقيقي، ولعل الصورة الشهيرة، التي تناقلتها الصحف ووكالات الأنباء عن عروسة لبنانية جميلة قدمت بملابس الفرح البيضاء إلى مقر لجنة انتخابية حتى تدلي بصوتها، خير دليل على أن البلد الصغير الذي لا تزيد مساحته عن عشرة آلاف كيلو متر يرتدي كله ثوب الفرح الأبيض بعد أن اختار هو العريس المناسب ولم يفرضه عليه ولي الأمر!
صحيح أن الثوب الأبيض تلطخ بدماء الصحفي "سمير قصير" الذي اغتيل في 2 يونيو الحالي و"جورج حاوي" الأمين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني الذي اغتيل هو الآخر يوم الثلاثاء الماضي بعد تفجير سيارته، إلا أن دماء هؤلاء وغيرهم الذين قد تتسع القائمة لتشملهم تبدو وكأنها الثمن الذي على الشعب اللبناني أن يدفعه من أجل ارتداء ثوب الحرية الأبيض.
نتائج الانتخابات اللبنانية لم تأتِ بمفاجآت كبيرة، فكتلة "تيار المستقبل" التي يتزعمها "سعد الحريري" -نجل رئيس الوزراء الراحل طاغي الشعبية "رفيق الحريري"– فازت منفردة بـ38 مقعدا في البرلمان؛ الأمر الذي يجعلها أكبر كتلة برلمانية وهو ما يتيح لـ"الحريري الابن" الفرصة في أن يتولى رئاسة البرلمان، إلا أنه من الواضح أن هذا ليس طموح الشاب المحبوب من الشارع اللبناني، وأن الطموح هناك.. أعلى.. رئاسة البلاد.
قبل الانتخابات سئل "الحريري" هل تفكر في رئاسة لبنان فأجاب بدبلوماسية هذا أمر سابق لأوانه فلننتظر لما بعد الانتخابات، وهاهو "ما بعد" وقد صار "الآن" فهل يفعلها الرجل؟
كرسي الرئاسة سيكون واحدا من أشد المعارك سخونة التي سيشهدها البرلمان اللبناني، فالتمديد للرئيس "إميل لحود" أواخر العام الماضي يواجه شبهة عدم الدستورية، ومن المتوقع أن يدعو البرلمان إلى تنحية الرئيس اللبناني عن منصبه الحالي وفي هذه الحالة فإن البلاد ستشهد انتخابات رئاسية جديدة من المتوقع أن يخوضها "سعد الحريري"، إلا أن فتح النقاش بخصوص التمديد لـ"إميل لحود" مرتبط بشخص واحد فقط في لبنان هو "البطريريك الماروني مار نصر الله بطرس صفير" الذي يعد الأب الروحي لكل حركات المعارضة اللبنانية، وهو وحده الذي يملك إطلاق رصاصة البدء نحو السعي لتنحية "لحود" والبدء في انتخابات رئاسية جديدة.
بعض المراقبين يرون بأن "البطريرك" سيعمد إلى غض الطرف عن "لحود" حتى تنتهي ولايته، خاصة أن الأوضاع التي أفرزتها الانتخابات وضعت السلطة تقريبا في يد المعارضة.
من الواضح أن لبنان مقدم على المزيد من التفاعلات والمزيد من الحركة والدينامكية.. وهذه الأشياء وحدها التي تفرز وتغربل وتنظم وتعطي للحياة إشراقة جديدة.
ساحة النقاش