|
معركة الأرك
كان يوسف بن تاشفين هو أساس دولة الملثمين أو المرابطين ، فلما توفي لم يستطع خَلَفُه مواصلة إبقاء الدولة حية ، فسقطت أمام هجمات دولة الموحدين ، و هي دولة إسلامية أخرى من البربر ، و كان من ملوك هذه الدولة يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن ، و قد خاض معركةً ضخمة تقارب في حجمها معركة الزلاقة أو تزيد عنها ، هي معركة الأرك ، و خاضها ضد أحد ملوك النصارى و اسمه ألفونسو الثامن (غير السالف ذكره ، فبينهما عشرات السنين) ، و ألفونسو إسمٌ شائع جداً عند اللاتينيين ، هو عندهم كـ"عبد الله" عندنا. بعد تولي يعقوب الملك ، أرسل إليه ألفونسو رسالةً ساخرة يدعوه فيها إلى القتال بعد أن اجتمع لدى ألفونسو الكثير من الجنود. أخذ يعقوب الخطاب الساخر و أمر بقراءته أمام الجنود ، فاستحث عزيمتهم و حنقهم على ألفونسو و جنوده ، و كانت غلطةً سياسية بشعة لألفونسو ، دفع ثمنها من كرامته لاحقاً و من دماء جنوده و أموال مملكته.
كان عدد الجيشين متقارباً ، و التقيا عند مكانٍ قريب من مكان معركة الزلاقة التي حدثت قبله ذلك بقرابة 90 سنة ، و كان النصارى متمركزين على قمة تلة ، فلما أراد المسلمون الهجوم علها نزل عليهم قرابة ثمانية آلاف منهم نزلةً قوية على قلب الجيش أربكت المسلمين ، لكن المسلمين صمدوا و ردوا الهجمة ، فهجم النصارى مرة أخرى و ردهم المسلمون ، لكن هذان الدفاعان استهلكا طاقة المسلمين ، فلما هجم النصارى للمرة الثالثة على المسلمين الذين عند سفح التل تزعزعوا و زُلزِلوا ، و قتل النصارى الكثير من تلك الفرقة من المسلمين و أرغموهم على التراجع ، و بدأت الكفة تميل لصالح النصارى ، إلا أن الجناح الأيمن للمسلمين هجم هجمةً مفاجئة على قلب جيش النصارى (و الذي أضعفه اندفاع فرسانه على قلب جيش المسلمين) ، و كان ألفونسو بنفسه موجوداً في القلب و يحيط به عشرة آلاف جندي نصراني ، و انقض المسلمون عليهم و أخذوا فيهم قتلاً ، إلا أنهم صمدوا بقوة ، و قد عوض المسلمون نقصهم بالإيمان الراسخ ، و اشتعلت نار المعركة أكثر في قتال القلب ذاك ، تكاد الأرض تلتهب تحتهم من شراسة قتالهم ، و مرت الساعات في قتلٍ و قتال ، و المسلمين ثابتون ، و النصارى لا يتراجعون ، حتى أغلظ المسلمون الهجمة فبدأ النصارى يتراجعون و يفرون ، إلا ألفونسو و العشرة آلاف الذين حوله فلم يتراجعوا ، و بدأوا يتساقطون مقتولين حول ملكهم و لا يتزعزعون ، و ألفونسو قد عزم على الموت دون ذلك ، و بدأت مقاومة النصارى تخمد حتى حُصِِرَت في المدافعين عن ألفونسو ، و كان هذا مبشر النصر للمؤمنين ، و لاحت لوائح الهزيمة فأخذو ملكهم و هربوا ، و انتهت المعركة بفوز المسلمين فوزاً ساحقاً ، هائلاً ، محطِّماً ، مدمراً. هزم المسلمون النصارى الأسبان هزيمةً لم يُر مثلها ، و غنموا شيئاً لم يُرَ مثله منذ أزمانٍ بعيد مع ما في الأندلس من خير ، فينقل المقري أن المسلمين غنموا قرابة 600 ألف من الأنعام ، منها 80 ألف جواد ، استخدمها النصارى لحمل متاعهم لأنهم لا يستخدمون الإبل (تلك المخلوقات العجيبة لكن ليت هذا كان حال سلفه ، بل ضعف أمر المسلمين لاحقاً لما تركوا الجهاد ، و هانوا على الناس ، إلى أن أتى اليوم المؤلم.... |
نشرت فى 27 يونيو 2005
بواسطة anbaa1
عدد زيارات الموقع
647,264
) ، فباع المسلمون الأسير بدرهم ، والفرس بخمسة دراهم ، والحمار بدرهم ، والسيف بنصف درهم ، و نجا ألفونسو الثامن بشر حال ، فحلق رأسه و لحيته ، و نكس الصليب ، و نذر أن لا يقرب امرأةً حتى يهزم المسلمين ، و بدأ في جمع قواته و الإستعداد للثأر ، و التقى مرة أخرى مع يعقوب ، و أيضاً هزمه الله شر هزيمة ، ففر مرة أخرى إلى طليطلة ، و حاصرها يعقوب ، و ضربها قلاعها بالمجانق ، و أوشكت أن تسقط و يستعيدها المسلمون ، إلى أن خرجت والدة ألفونسو و بناته و نساؤه ، فوقفوا أمام يعقوب و استنجدوه و بكوا و سألوه أن يبقي لهم أباهم ، فوافق يعقوب ، و أكرمهنّ و منحهن الأموال و العطايا و ترك البلد لهنّ ، و إنا لله و إنا إليه راجعون ، و لما رجع جاءه رُسُل ألفونسو يطلب الصلح فوافق.


ساحة النقاش