معركة الزلاقة

هذه المعركة يجب أن تكون تذكاراً لمدى خطورة أمرين: 1) ترك الجهاد في سبيل الله ، و 2) الخروج على ولاة الأمر المسلمين. سُمِّيَت بهذا المكان لأنها وَقَعت عند سهلٍ يُسمَّى "الزلاقة". و قصّتها أنه بعد مخالفة المسلمين لكلام الله و رسوله بعدم الخروج على ولاة الأمر ، فخلعوا آخر ملوك بني أمية في الأندلس ، تفرّق المسلمون ، و صارت الأندلس دويلاتاً حقيرة هزيلة ، و خاف ملوكها من النصارى ، فالنصارى متوحدون ، و المسلمون تركوا الجهاد و آثروا الدنيا و استكانوا إليها ، فكانت حربهم على إخوانهم ، و اجتهد ملوك الطوائف في قتال بعضهم ، و محاولة الإستيلاء على مُلك الأندلس ، هان أمرها على النصارى بقيادة ألفونسو و لم يشكوا أنها من نصيبهم ، فكان ألفونسو يُنهِك المسلمين بالجزية التي دفعوها عن يدٍ و هم صاغرون ، و بغاراته العشوائية عليهم ، حتى إذا انقض عليهم أبادهم بأقل قدرٍ ممكن من الخسائر. و كان أقل ما يُقال عن موقف قادة الدويلات الأندلسية أنه كان مخزياً ، مُكللاً بالعار. لم يكتفوا قتال بعضهم على هذه الدنيا الحقيرة ، بل لما بدأ ألفونسو في غاراته وهجومه عليهم ، وضع بعضهم عهوداً معه ألا يساعدوا إخوانهم مقابل تفاهاتٍ وعدهم بها ألفونسو ، بل إن بعضهم عاون ألفونسو عندما اجتاح بلاد المسلمين ، و وضعوا يدهم في يده - و العياذ بالله - و أغاروا على المسلمين في باقي الدويلات ، **بل** إن بعض هؤلاء الملوك منحوا ألفونسو بناتهم كزوجات أو حظيات.

أعد ألفونسو العدة لغزو طليطلة و التي كانت عاصمة أجداده القوط قبل أن يفتحها المسلمون ، و أرسل إلى باقي ملوك الطوائف يرهبهم و يتوعدهم إنْ هم حاولوا أن يغيثوها ، و حاصرها ألفونسو ثم فتحها ، و سقطت لمصيرها المحتوم ، و عندما نجح ألفونسو في الإستيلاء على طليطلة ، دق هذا ناقوس الخطر في أنحاء الدويلات الصغيرة ، فقد كان هذا حدثاً عظيماً لم يحدث مثله من قبل ، و أدركوا سوء تدبيرهم و فساد رأيهم ، و أنهم لم يعطوا الأمر حقه من الأهمية ، فلم يكُن النصارى يجرؤون على مثل ذلك سابقاً ، و كان ممن عاون النصارى على طليطلة "المعتمد بن عباد" ملك إقليم إشبيلية ، فلما افترسها النصارى ندم على ما فعل ، فقد كان حاكمها هو أخوه ، و عاون النصارى على أخيه مقابل فتاتٍ من الدنيا ، فاتّخذ - لاحقاً - قراراً تاريخياً لعله أن يكفّر تلك الفعلة الشنيعة ، و قبل أن أذكر ذلك القرار ، يحسن بي أن أذكر أن خلافاً نشأ بين الإثنين (الطاغية ألفونسو و المعتمد بن عباد) ، فبينما ألفونسو يُرسل رسله ليأخذوا الجزية من حكّام الدويلات ، كان ممن أرسل يهودي إلى المعتمد بن عباد ، فلما وصل السفير اليهودي ( و كان اسمه "ابن شاليب") ، نظر إلى ما أعده المعتمد من الجزية فرفضه ، و بكل غطرسة أمر المعتمد أن يُكمل جزيته ، فلا تليق بألفونسو ، فرد عليه المعتنمد في ذلك ، فأعاد اليهودي الرد و أغلظ فيه ، و هدد و توعد ، و خوّفه باحتلال إشبيلية ، فغضب المعتمد و أخذ خشبةً فضرب بها رأس السفير فحطمه و قتله ، ثم صلبه ، و أخذ من معه من المرافقين فرماهم في السجون على دهشةٍ منهم ، فلم يكُن أحدٌ من ملوك الدويلات يجرؤ على شئٍ كهذا ، و استشار المعتمد الفقهاء فاستحسنوا ما صنع ، و لما علم ألفونسو بما فعل المعتمد ، غضب و هاج ، و حرّك جيشه إلى إشبيلية و أغار على حدودها ، فنهب و قتل ، و حاصر إشبيلية 3 أيام ثم تركها مؤقتاً ، و في ذلك كه المعتمد يحاول أن يرده و يقاوم ، فلما انجلى ألفونسو و بدأ يحشد الجيوش الكبيرة عَلِم المعتمد أنْ لا قِِبَل له بذلك ، حينها اتخّذ المعتمد القرار التاريخي ، و استنجد بيوسف بن تاشفين (و هو من البربر) ملك دولة المرابطين في المغرب ، و كانت دولة جهادٍ في سبيل الله ، و خاف بعض الأمراء أن يستولي يوسف على دولة المعتمد بعد الحرب مع ألفونسو ، و منهم ابنه الرشيد ، قال لأبيه المعتمد: "يا أبت أتُدخِل علينا في أندلسنا من يسلبنا ملكنا، ويبدد شملنا؟" ، فرد المعتمد: "أي بني ، والله لا يسمع عني أبداً أنني أعدت الأندلس دار كفر ولا تركتها للنصارى ، فتقوم علي اللعنة في منابر الإسلام مثل ما قامت على غيري ... إن دهينا من مداخلة الأضداد لنا فأهون الأمرين أمر الملثمين(و هو لقب المرابطين)" ، ثم أتبعها المعتمد بعبارته الشهيرة: "تالله إنني لأوثر أن أرعى الجمال لسلطان مراكش على أن أغدو تابعاً لملك النصارى وأن أؤدي له الجزية ، إن رعي الجمال خير من رعي الخنازير".

أرسل المعتمد رسالة الإستنجاد إلى يوسف بن تاشفين ، و أخبره السفراء بسوء حالهم و طغيان ألفونسو و استيلائه على طليطلة ، و استعداده لإبادة المسلمين في الأندلس و تنصيرها ، فرقّ لهم ، بل إن المعتمد ذهب بنفسه إلى يوسف و استنجده ، فحزم يوسف أمره ، و قرر أن يواجه الطاغية ، فحشد و أعدّ ، و عبر بجيشه إلى الأندلس عام 479هـ ، فلما وصل ، استُقبِلَ بحفاوةٍ و سرورٍ بالغيَن ، و أمر يوسف أن تكون قوات الأندلس تحت إمرة المعتمد ، و قوات المرابطين تحت إمرة يوسف ، و كان يوسف حذراً في أمره ذلك كله ، فلم يواجه النصارى من قبل.

عندما علم ألفونسو بهذا ، ألغى حصارى الذي كان قد فرضه على مدينة سرقسطه (و التي كانت قاب قوسين أو أدنى من السقوط) ، و أرسل إلى النصارى في الشمال يسألهم النصرة ، فانكب النصارى لمعاونته من فرنسا و إسبانيا ، و كانوا أكثر عدداً و قوة من المسلمين ، و معهم القساوسة يحملون الصلبان و الأناجيل و يشدون من أزر النصارى ، و اقترب الجمعان من اللقاء ، و استقرّا قرابة 5 كيلومترات من بعضهما.

تراسل الفريقان ، فذكر ألفونسو ما عنده من الجند و العتاد ، و خوّف يوسف من ذلك و بالغ في ما عنده ، فأرسل إليه يوسف باختصار: "الذي يكون ستراه" ، فقلق ألفونسو من ذلك و علم أنه رجل حرب و عزيمة.

و أثناء تراسل الفريقين قال ألفونسو ليوسف: "إن يومكم هو الجمعة و يومنا الأحد ، فلنقتتل يوم السبت" ، و أحس يوسف أنها خدعة ، و علم أن النصراني لن يفي بذلك ، فأخذ حِذْرَه و ارتقب الهجوم يوم الجمعة ، و صدق حدسه ، فقد هجم ألفونسو فجر الجمعة هجوماً مفاجئاً على القوات الأندلسية أربكهم و أجبرهم على التراجع ، و لم يثبت إلا المعتمد في قلّةٍ من رجاله ، قاتلوا أشد القتال ، و أثخن النصارى الجراح في المعتمد ، زاد الأمر سوءاً أنّ غدرَ ألفونسو لحق بالملثمين (المرابطين) أيضاً ، فهجم على مقدمتهم و أجبرهم على التراجع ، و لاحت هزيمة المسلمين ، و كثر القتل فيهم ، حينها دفع يوسف بقواته إلى الهجوم تحت قيادة المجاهد الفذ "سير بن أبي بكر" ، فهجموا على النصارى هجمةً قوية ، و قتلوا منهم ، و أكثروا القتل و أثخنوه ، فصَعُبَ الأمرعلى النصارى ، و زادهم يوسف مشقةً و بلاءاً بخطةٍ رائدة ، فشق صفوف النصارى و وصل إلى معسكرهم الرئيسي ، فحصد حرسه النصارى و أشعل فيه النار ، فعظم ذلك على ألفونسو و راعه ، فتراجع عن موقعه و هجم على المسلمين ، و التقيا في معركةٍ طاحنة فقتلا بعضهما و كثر القتل في الجانبين ، و بدأ القتل يزيد في صفوف النصارى ، و زاد يوسف الأمر مرارةً عليهم فأمر فرقةً خاصة من حرسه أن تنقض الإنقضاضة الأخيرة ، فهجموا على النصارى (و كانت الفرقة من 4 آلاف مقاتل) و أبادوا منهم خلقاً كثيراً ، و رجحت الكفة أخيراً لصالح المسلمين و لاحت لوائح النصر الكبير ، و النصارى يُقتلون بأعدادٍ هائلة ، و استطاع أحد أفراد الفرقة الخاصة أن يصل لألفونسو نفسه و يطعنه طعنةً عميقة في فخذه ظل يعرج بسببها بقية حياته ، و نجا ألفونسو ، فلما أحس بالهزيمة فر و معه بعض فرسانه ، و عددهم قرابة 500 ، و هربوا بعد الهزيمة المنكرة و المجزرة المريعة التي أبادتهم ، و حتى الذين فروا ماتوا متأثرين بجراحهم في الطريق ، فلم يصل ألفونسو إلا و معه أقل من مائة ، و نصر الله المسلمين نصراً عظيماً مؤزراً ، و سُحِق جيش النصارى و معه كرامة ألفونسو ، و تحطم خوف الأندلسيين من النصارى و فتح الله على المجاهد الصالح (نحسبه كذلك) يوسف بن تاشفين و لله الحمد ، و رغم أن المسلمين لم يستعيدوا طليطلة ، إلا أن ذلك ردع النصارى عن أي فكرة للهجوم على المسلمين في المستقبل القريب ، و كان أن توقف المسلمون عن دفع الجزية لألفونسو ، و أوقف غاراته ، و نجت سرقسطة من الحصار الصليبي ، و أخّر النصر السقوط الكامل للأندلس 4 قرون.

و لكن ما يدهش فعلاً هو عدم استرداد طليطلة من أيدي النصارى ، خاصة و أن ذلك كان أمراً سهلاً بعد القضاء على جيش ألفونسو ، و من بقي من جيشه ليحرس طليطلة ما كان لهم قِبَل بجيش المسلمين و لم يكونوا ليستطيعوا رده ، لكن قضى الله أمراً ، و رجع المرابطون إلى أفريقيا ، و رجع ملوك الطوائف إلى الصراع بينهم ، و إلا فلم يكن الطريق ممهداً لاسترداد طليطلة فحسب ، بل إنما ما كان يملكه المسلمون من إيمان و قوة كان يكفي لفتح بقية أوروبا ، و إعادة المحاولة بعد الهزيمة الكبرى في بلاط الشهداء. لكن ، قدّر الله و ما شاء فعل.

أما المجاهد الصالح يوسف بن تاشفين ، فرغم أنه كان من البربر ، إلا أنه ضرب أعظم الأمثلة في الإلتزام بروح الإسلام ، فبينما اتّخذ ملوك الطوائف العرب المُلك لعباً و لهواً و قتالاً بينهم ، كان ما فعله يوسف بعد النصر المبين أن أرسل سفيرين إلى المستظهر بالله ، الخليفة العباسي ، و معهما هدايا ، و بشّره بالفتح و طلب منه أن يقلده الولاية هناك ، فوافق المستظهر ، و كان يوسف يُسمّى "أمير المسلمين" ، و قد أراده البعض أن يتّخذ لقبه "أمير المؤمنين" و يعلن الخلافة إلا أنه أبى و فضل توحيد المسلمين على ذلك ، ففعل ما فعل أعلاه ، و هو درسٌ في التواضع لا يكاد يُرى مثله ، رحمه الله و غفر له ، و سيأتي ذِكرُه إن شاء الله في موضوعٍ لي قادم يختص بتراجم بعض الأعلام.

  • Currently 86/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
29 تصويتات / 294 مشاهدة
نشرت فى 27 يونيو 2005 بواسطة anbaa1

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

647,019