|
بعد النصر الكبير ، شيّد المسلمون المساجد في الأندلس ، و نشروا نور الإسلام ، و أقاموا العدل و الحق ، كما فعلوا في أي قطرٍ فتحه الإسلام ، و ظل هذا حال الأندلس.
لكن ، شيئاً فشيئاً ، ساعدت عوامل الأندلس على قيام حضارة إسلامية جديدة ، لم يصنع المسلمون مثلها سابقاً. كانت الأندلس مرتعاً خصباً لقيام الحضارة. كانت تبعث على الحياة و البهجة ، فكل شئٍ فها كان طيباً كريماً. وَصَفها "الحميري" في كتاب "صفة جزيرة الأندلس" فقال:
"والأندلس شأمية في طيبها وهوائها، يمانية في اعتدالها واستوائها، هندية في عطرها وذكائها، أهوازية في عظم جبايتها، صينية في جواهر معادنها، عدنية في منافع سواحلها؛ وفيها آثار عظيمة لليونانيين أهل الحكمة وحاملي الفلسفة..."
و نقل المقري عنها من كلام غيره من عجيب حُسنِها ، فقال:
"وقال الوزير لسان الدين بن الخطيب - رحمه الله تعالى - في بعض كلامٍ له أجرى فيه ذكر البلاد الأندلسية، أعادها الله تعالى للإسلام ببركة المصطفى عليه من الله أفضل الصلاة وأزكى السلام، ما نصّه: خصّ الله تعالى بلاد الأندلس من الرّيع وغدق السّقيا، ولذاذة الأقوات، وفراهة الحيوان، ودرور الفواكه، وكثرة المياه، وتبحر العمران، وجودة اللباس، وشرف الآنية، وكثرة السلاح، وصحّة الهواء، وابيضاض ألوان الإنسان، ونبل الأذهان، وقبول الصنائع، وشهامة الطباع، ونفوذ الإدراك، وإحكام التمدّن والاعتمار، بما حرمه الكثير من الأقطار ممّا سواها.
قال أبو عامرٍ السالمي، في كتابه المسمى "بدرر القلائد وغرر الفوائد": الأندلس من الإقليم الشامي، وهو خير الأقاليم، وأعدلها هواءً وتراباً، وأعذبها ماءً وأطيبها هواءً وحيواناً ونباتاً، وهو أوسط الأقاليم، وخير الأمور أوسطها."
و ليس البلاد فقط ، بل قد جَرَت الألسن بفضل أهل الأندلس ، و جمعهم لشتى الفضائل و أكملها ، فقال صاحب "نفح الطيب" فيهم:
"ثم قال صاحب الفرحة: وأهل الأندلس عرب في الأنساب والعزة والأنفة وعلو الهمم وفصاحة الألسن وطيب النفوس وإباء الضيم وقلة احتمال الذل والسماحة بما في أيديهم والنزاهة عن الخضوع وإتيان الدنية، هنديون في إفراط عنايتهم بالعلوم وحبهم فيها وضبطهم لها وروايتهم، بغداديون في ظرفهم ونظافتهم ورقة أخلاقهم ونباهتهم وذكائهم وحسن نظرهم وجودة قرائحهم ولطافة أذهانهم وحدة أفكارهم ونفوذ خواطرهم، يونانيون في استنباطهم للمياه ومعاناتهم لضروب الغراسات واختيارهم لأجناس الفواكه وتدبيرهم لتركيب الشجر وتحسينهم للبساتين بأنواع الخضر وصنوف الزهر، فهم أحكم الناس لأسباب الفلاحة، ومنهم ابن بصال صاحب "كتاب الفلاحة" الذي شهدت له التجربة بفضله، وهم أصبر الناس على مطاولة التعب في تجويد الأعمال ومقاساة النصب في تحسين الصنائع أحذق الناس بالفروسية، وأبصرهم بالطعن والضرب."
و قد قيل أنهم أنظف خلق الله ، يكادون يُبالغون في ذلك ، حتى أنه يكون المقل منهم جائعاً ، فيعطيه الله قوت يومه ، فيطوي سائر يومه و يبتاع بماله ذاك صابوناً يتنظف به. و كان فيهم ظرافة ، و فكاهة ، و كانوا أشبه في زيّهم و سلاحهم بالنصارى ، و كان كثيرٌ منهم لا يعتمّ ، و إذا رأوا مسلماً أتى من الشرق متعمماً و هيئته كهيئة العرب تعجبوا من ذلك و أشاروا إليه.
أما السبب الحقيقي لسقوط الأندلس ، فكما يلي: ظلت الأندلس على خيرٍ وفير ردحاً من الزمن ، إلا أنه لا يصلح آخر الأمة إلا بما صلح به أولها ، و حيث أن طارق ابن زياد و جيشه كانوا أهل صلاحٍ و تقوى و إيمان ، مؤثرين الآخرة على الدنيا ، فلم يكن خَلَفُهم كذلك ، بل كثر العشق و التعشق ، و الموسيقى و التغني بها ، و الإنشاد في المدام و التشهي على كل ما حسُنت صورته ، إناثاً و ذكوراً ، و لم يتشبهوا بسيرة رسول الله ، و لا بسيرة عمر ، فضعف أمرهم ، و تشتتوا ، و ظَهَر ملوك الطوائف: ملكٌ لكل إقليم ، يتناوشون و يتقاتلون ، كل ذلك و النصارى يحشدون و ينشدون الثأر ، بل إن أحد الملوك هؤلاء (المعتمد ابن عباد) عاون ملك النصارى "ألفونسو" على اجتياح بلد أخيه من أمه و أبيه ، لنزاعٍ سياسي تافه ، سامحه الله ، و أدرك خطأه لاحقاً و عوض عنه بأن استعان بمجموعة من مسلمي المغرب ، بقيادة يوشف ابن تاشفين ، فهزم النصارى شر هزيمة و لله الحمد ، لكن لم يدم الحال هكذا ، و بقيت الفرقة و البعد عن الله ، و انشغل الناس بالدنيا ، فكان لزاماً أن تسقط الأندلس ، و هل في ذلك شك؟ منذ متى و نحن أمة حضارة و عز؟ بل عِزُّنا بالإسلام و أصوله و فروعه ، فمتى ما تركنا ذلك أُذلِلنا ، و الأندلس خير شاهد ، بل إن حالنا اليوم خيرٌ شاهداً مِن ذلك. |
نشرت فى 27 يونيو 2005
بواسطة anbaa1
عدد زيارات الموقع
647,283


ساحة النقاش