عن الرحلات سألوني (4)...
في بيت الرعب...

 
 

وإلى الملاهي.. ذهبنا في نهاية السهرة.. والإرهاق كان قد نال مني.. وهد قواي.. ولم أعد أحلم إلا بالفراش الدافئ.. ومغازلة النوم لعيوني.. بينما العفاريت الصغار لم يفقدوا ذرة واحدة من حماسهم وطاقاتهم غير العادية.!.

وفوجئت بهذا العدد الضخم جداً من الشباب والبنات والكبار.. داخل الملاهي.. وبدا كأنه عالم آخر تماماً.. مليء بالأضواء والحركة والصخب والحياة..

والأولاد تفرقوا فجأة.. وكل واحد ذهب ناحية اللعبة التي شدته إليها.. كأنما بحبل خفي.. وتركوني وحدي أنظر في كل اتجاه غير مستوعب للموقف.. ولا فاهم أي شيء مما يجري حولي.. واقترب مني أحد الزملاء الشباب وهمس في أذني وهو يفرك كفيه في حماس:

ـ إيه رأيك ما تيجي؟؟
ـ آجي فين؟
ـ يعني.. نركب لنا كام لعبة ع الماشي كده..
ـ أيوه يا أخي.. بس يعني.. مايصحش.. العيال يقولوا إيه؟
ـ يا عم سيبك.. نقول لهم بنجرب لكم اللعب عشان نتأكد إنها مضمونة وأمان..

والفكرة أعجبتني.. فالألعاب مثيرة ومليئة بالأضواء.. وأنا برضه لسه شباب.. وممتلئ لآخري بحب الاستطلاع والفضول، ثم هناك الكثير من الكبار وجدتهم يلعبون ويضحكون بلا إحراج ولا كسوف!

وبيني وبين نفسي.. كنت أريد أن أطاوعه.. ولكني ترددت.. حتى جاءت لي بنت مفعوصة وأمسكت بيدي تستحلفني:
ـ يا أستاذ.. عشان خاطري أنا نفسي أدخل بيت الرعب..
ـ كويس.. كويس.. هايل.. ربنا يوفقك....
ـ وعايزة حضرتك تدخل معايا..
ـ آه طبعاً.. طبعاً.. نعم؟؟؟؟؟؟.. بتقولي إيه؟؟ أدخل معاكِ بيت الرعب؟؟

وابتلعت ريقي وأنا أنظر نحوها في قلق.. وأقول في سري "يا دي الورطة.. رعب إيه بس؟.." .. ولكن البنت تلح بشدة.. وتلف وتدور.. وتذهب وتعود.. وهي تحاصرني بالنظرات المتوسلة والكلام المؤثر.. وتنظر لي نظرات استعطاف وتكاد تبكي.. حتى صعبت عليّ.. ومرغماً.. وافقت.. وذهبت معها لابتياع التذاكر.. والحق أني فوجئت بالعدد الضخم من الناس الواقفين على الشباك ينتظرون دورهم في الرعب... وكأن الحياة وتكاليفها لم تعد تكفي لإرعابهم!!

وأنا أقول في سري "إيه يعني بيت الرعب؟.. ده أنا جامد قوي".. وأركبونا عربة صغيرة بدأت تتحرك واحدة.. واحدة.. نحو مدخل بيت الرعب.. وفجأة زادت سرعة العربة وبدأت تغوص وسط ظلام حالك.. وبين الحين والآخر.. يظهر لنا هيكل عظمي "خايب" يقـول "عو عو".. أو نموذج مشوه لوحش "عبيط".. وينفتح في عيوننا بغتة ضوء خاطف نافذ وينطفئ بغتة كذلك.. وأنا قد استرحت تماماً لهذا المستوى الهزيل من الرعب.. واطمأنت نفسي.. بعد خوف.. وكل ثانية تمضي أكاد أضحك من قلبي على هذا الرعب المرعب الخطير!.. ولكن ما أوقف الضحك في حلقي.. كان يداً.. فجأة امتدت نحو رقبتي بدون سابق إنذار.. وأطبقت عليها باستماته.. وبدأت تضغط رويداً رويداً.. مع صوت صراخ لا يمكن أن يكون بشرياً.. بدأ بإصرار -غير عادي- يحاول ثقب أذني اليمنى.. وإصابتي بالصمم.. ورغم المفاجأة فإنني لم أستسلم بسهولة.. وحاولت الدفاع عن نفسي.. وإزاحة اليد المستميتة على رقبتي.. وأنا أسب وألعن الألعاب التي من هذه العينة.. فالعمر غال.. والروح حلوة.. ولكن اليد تتشبث أكثر والصوت يزداد حدة.. حتى أبدأ في الإحساس بنقص الأوكسجين وغياب الوعي التدريجي..

وفي آخر لحظة.. تحين مني التفاتة عابرة للبنت التي بجواري.. علّي أستنجد بها.. فأفاجأ بأنها هي نفسها صاحبة اليد المجنونة والصوت المسرسع العاتي.. إذ من شدة الرعب لم تتمالك البنت شعورها.. وبدأت تتصرف كأي مجنون يحترم نفسه.. وتحاول خنقي بتصميم وإخلاص لأن سوء حظي أوقعني بجوارها في المكان غير المناسب والوقت غير المناسب كذلك!.. ولأن الأجل لم يكن قد حان بعد.. ومازال في العمر بقية.. استطعت -بصعوبة بالغة وبعد محاولات مستميتة- أن أهرب من المصير الأسود الذي كان ينتظرني على يديها.. وقد انتهت الرحلة فجأة كما بدأت فجأة.. بعد وصول العربة لباب الخروج.. وتحرير رقبتي من عدوان الأيدي الغاشمة المعتدية بعد طول كفاح ومفاوضات!!

ونزلت من العربة أجرجر ساقي.. وأنا أرمق البنت بنظرات لو أنها كانت رصاصات لاخترقت جسدها في كل ناحية وأحالتها إلى مصفاة فوراً!! وجعلت أعدل من هندامي وأمسح عرقي وألملم بقايا كرامتي المبعثرة..

ورأيت زميلي يأتي من بعيد.. وعلى ملامحه إعياء شديد هو الآخر.. ويتنفس بصعوبة.. ولكن لم يمنعه ذلك من التطلع لحالي في دهشة.. ووجدتني أهمس مبرراً:
ـ "بيت الرعب"..
فرد في صوت مماثل:
ـ "الغربال"

وأشار بيده لبعيد.. إلى حيث وجدت غربالاً حقيقياً ضخماً.. يجلس على حوافه خلق كثيرون.. وهو يتحرك بهم -بلا رحمة- حركات مجنونة في كل اتجاه.. ومنهم من لا يتمالك نفسه ويسقط فوق الآخرين.. ومن يخبط رأسه بالجدران.. ومن يُمسح به قاع الغربال... ولكن الجميع سعداء ويضحكون من هذه البهدلة والمرمطة وقلة القيمة!!..

وهزني فجأة صوت عاتٍ يأتي من الناحية الأخرى.. فأدرت رأسي مع زميلي لنشاهد لعبة أخرى.. عبارة عن مركب طويل معلق بين السماء والأرض.. يقوم بدورات جنونية بمن فيه من البشر.. وهم يصرخون ويولولون ويضحكون ويبكون معاً.!. في مزيج غريب لا يمكن أن تجده إلا هنا..

واصطدم بي فجأة شيء ضخم من الخلف.. فشهقت واستدرت في فزع.. لأجد الذي اصطدم بي إنساناً متنكراً في هيئة غوريلا مصابة بعته منغولي.. وهو يرسم بوجهه تعابير مرعبة ويصرخ ويدبدب بيديه على صدره..

فتراجعت أكثر.. ولم أعد أحتمل.. أسرعت بالهرب من باب الملاهي.. وأنا أقول لزميلي: "ياه.. معقولة.. الساعة بقت 10.. بسرعة كده.. ده أنا لازم أعمل مكالمة مهمة جداً..!".

وأنا لا أصدق أني نجوت من هول هذا المكان.. وأقسم بيني وبين نفسي.. ألا أتعرض ثانية لهذا الموقف.. وتسحبت إلى الأتوبيس محاذراً أن يلمحني أحد من الزملاء، حتى لا يطيل لسانه عليّ ويقول كلاماً "مش ولابد".. ولكن ما إن دخلت إلى الأتوبيس حتى فوجئت بأن السادة المشرفين موجودون جميعاً.. بين مسترخ في إعياء.. ودائخ.. ومرتجف.. وفاقد للنطق.. فألقيت السلام.. ودخلت بشجاعة أكثر الآن.. وأنا أهمس:
ـ "لا تعايرني ولا أعايرك... الهم طايلني وطايلك"..

  • Currently 60/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
20 تصويتات / 195 مشاهدة
نشرت فى 18 يونيو 2005 بواسطة anbaa1

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

647,225