عن الرحلات سألوني (3)...
في حديقة الحيوان.. يكرم المرء أو يهان..

 
 

وفي حديقة الحيوانات.. كان يمكنك أن تمد يديك لتلمس سعادة الأولاد بنفسك.. إذ أصواتهم قد علت.. ومرحهم زاد.. وتعليقاتهم كثرت.. وكأنهم وجدوا ضالتهم أخيراً.. وبين قفص وقفص يتنقلون.. ويشيرون بأيديهم إلى الأنواع المختلفة للحيوانات.. ويضحكون.. ويتناقشون.. ويختلفون.. ويتمرغون في التراب.. ويجرون وراء بعضهم البعض...

ولنستطيع السيطرة عليهم قمنا بتقسيمهم لمجموعات.. مع كل مجموعة مشرف.. وكانت هذه أول مرة أزور فيها الحديقة.. وبالكاد أتحسس طريقي مسترشداً باللافتات.. وقوة ملاحظتي المعدومة.. وذاكرتي الهزيلة.. والأولاد الذين في مجموعتي.. مصممون أن يشاهدوا بيت الزواحف.. فأحلف لهم أني لا أعرف الطريق إليه.. وأن من الأفضل ألا نغامر "وخلينا في المضمون أحسن".. فيرفضون جميعاً ويقررون المغامرة.. فأنصاع لرغباتهم مضطراً.. إذ الرحلة رحلتهم.. واليوم يومهم..

ونبدأ في المسير معاً في رحلة عشوائية نحو بيت الزواحف المجهول!!
وفي الحديقة لا تسأل أحداً عن طريق إلا دلك عليه.. سواء أكان يعرف أو لا يعرف.. وهو في الأغلب الأعم لا يعرف أي شيء عن أي شيء.. إذ معظم زوار الحديقة غالباً من خارج القاهرة.. وضيوف عليها مثلنا تماماً.. ولكنها جريمة لا تغتفر أن يقول لك لا أعلم! ثم ماذا تقول عليه بينك وبين نفسك؟ ثم أليس من الممكن أن تشهّر به في الجرائد وتفضحه؟ وكيف يقابل رباً كريماً في يوم من الأيام وقد ارتكب هذه المصيبة!! وهكذا وبفضل إرشادات السادة الكرماء.. من ذوي الجهل الواسع والمعرفة المعدومة.. وصلنا للنتيجة الوحيدة المتوقعة في مثل هذه الحالة.. بعد اللف والدوران.. والذهاب والإياب.. وهي أننا بكل فخر.. تهنا!!!!.. فلا نحن اهتدينا لبيت الزواحف العزيز.. ولا نحن ظللنا في مكاننا المضمون.. وجعلت أردد في انسجام بيني وبين نفسي:

ـ "دي وصفة هايلة.. دي وصفة سهلة.."

وتوقفت أخيراً في حيرة وأنا لا أدري ماذا أفعل!.. وقد تعبت الأقدام.. وتقطعت الأنفاس.. ولم يعد أمامي في النهاية إلا محاولة الوصول مرة ثانية للبوابة التي بدأنا من عندها رحلتنا على الأقل.. ولكن هذا لم يؤدِ إلا لمزيد من التوهان.. والغريب أن الأولاد كانوا سعداء جداً بهذه النتيجة اللطيفة.. وأخذت تعليقاتهم تتصاعد:

ـ الحمد لله إن احنا تهنا يا أستاذ وماعدناش هنروح المدرسة.

ـ أنا هاعيش هنا في جبلاية القرود يا أستاذ.

ـ يا رب مايلاقونا.. العيشة هنا أحسن من بيتنا.

وأنا أكتم غيظي.. وأسأل كل من أقابله في إصرار.. عن البوابة الرئيسية فيدلني.. في إصرار أيضاً.. علي اتجاه مخالف لمن سبقه!.. والوقت يمر بسرعة.. وموعد التجمع فات منذ أكثر من ساعة.. وأنا على أعصابي.. أحاول بشتى الطرق الاهتداء لطريق واحد صحيح وسط كل هذه المتاهات.. وأخيراً بعد أن كاد اليأس يسيطر عليّ.. ألمح أحد زملائي المشرفين مع مجموعته.. قادماً نحوي من بعيد.. وهو يشير إليّ في فرح وسعادة.. والأولاد معه يهللون ويصفرون.. فأقابله بالحضن.. كالغريق الذي يتعلق بقشة.. و أقبله وأتحدث إليه في ود:

ـ إنت فين يا راجل.. جيت في وقتك..

ـ الله يكرمك..

ـ أنا سعيد إني قابلتك..

ـ أنا الأسعد..

ولم أشأ أن أخبره أني تائه.. وأني في ورطة.. وقلت أتركه يمشي.. وأتبعه بدون أن يشعر بي.. ووقفنا نتكلم ونعيد ونزيد في الكلام.. وأنا منتظر أن يبدأ التحرك.. ولكنه لا يخطو خطوة واحدة للأمام.. ولما طال الأمر عليّ.. سألته:

ـ احنا ليه مابنمشيش؟

ـ ما تتفضل..

ـ ودي معقولة.. أبداً والله اتفضل إنت الأول..

ـ لا أبداً لا يمكن.. حضرتك الأول..

وبدا لي أنه لا ينوي التحرك من هنا أبداً.. فقلت بيني وبين نفسي أصارحه بالأمر وخلاص.. وهمست له:
ـ أصل بيني وبينك.. احنا تايهين.. ومش عارفين نوصل مكان التجمع.. ده إنت ربنا بعتك لينا نجدة..

فكاد يلطم على خده.. ويولول.. وهو يقول:
ـ يا نهار أسود.. ما أنا كمان تايه.. وكنت فاكرك هتوصلني لمكان التجمع.!!.

فنظرت نحوه في دهشة وغيظ.. ولم أدرِ ماذا أقول.. ولم أجد بداً في النهاية من العودة للتحرك من جديد.. وسؤال الناس أيضاً.. علنا نصل ولو إلى مكان قريب من مكان التجمع.. وتحركنا جميعاً معاً.. وفين وفين على ما وصلنا للمكان المتفق عليه.. ولكن لم يكن أحد من الزملاء ولا الطلبة هناك.. واعتقدت في يأس أنهم ربما ذهبوا بدوننا لأننا كنا قد تأخرنا كثيراً بالفعل.. وكان هذا نفس الخاطر الذي دار في ذهن زميلي.. وبدأنا نفكر في حل لهذه الورطة..

وبعد قليل بدا في الأفق زميل آخر.. حفر الإرهاق على وجهه علامات واضحة.. كأنه راجع من الجبهة لتوه.. فرح جداً لرؤيانا وأقبل هاشاً علينا وهو يقول:

ـ "الحمد لله إني لقيت حد.. أنا كنت فاكركم مشيتو من غيري لما تهت واتأخرت.."

وبدت لي الحقيقة مثل عين الشمس.. فالجميع بلا استثناء قد تاه.. والجميع عانى أشد المعاناة حتى وصل لمنطقة التجمع بمعجزة...

ومجموعة وراء مجموعة.. بدأنا نتجمع من جديد.. والكل يلعن الحديقة.. وما حدث له طوال اليوم من مواقف فيها.. ويقسم إنه لن يطأها برجليه ثانية..

وعند باب الخروج من الحديقة.. أوقفنا الحارس العجوز الذي يرتدي نظارة ضخمة يبدو أنه لا يرى بها أو بدونها.. ومنعنا من المغادرة بشدة.. وأرسل يستدعي باقي رجال الأمن.. وأخذ يشير نحو الأولاد في هيستيريا و يصرخ:

ـ أها... مسكتكم يا حرامية.. عايزين تهربوا الحيوانات دي من عندنا.. بس على مين .. أنا أفشتكم!!!

  • Currently 85/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
29 تصويتات / 174 مشاهدة
نشرت فى 18 يونيو 2005 بواسطة anbaa1

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

647,020