عن الرحلات سألوني (2) ...
(عندما بكى الفراعنة...)

 
 

ويصل الأتوبيس بمعجزة إلى أولى المحطات في رحلتنا الميمونة.. منطقة الأهرامات.. وكنت أفرك يدي في حماس وعصبية.. وألتقط نفساً عميقاً حاراً.. وأجهز نفسي لمحاضرة طويلة عن الحضارة الفرعونية العظيمة وبناء الأهرامات والتحنيط وأبي الهول.. ثم البدء في تلقي أسئلة الأولاد العبقرية واستفساراتهم.. وانبهارهم وتعليقاتهم وسعادتهم بما يشاهدون...

ولكن شيئاً من كل هذا لم يحدث!
فأحد الأولاد وقف يدير رأسه يمنة ويسرة وهو واقف تحت الهرم الأكبر الشامخ المهول.. يقلب يديه في حيرة ويسأل:
ـ "هو احنا جينا هنا عشان إيه؟.. أنا مش شايف حاجة تستاهل يعني.."
وأنا أمسك نفسي "بالعافية" حتى لا ألتهم حنجرته... أو بالقليل أكسر له يداً أو رجلاً.. وأقول له:
ـ "جينا نشوف الأهرامات يا حمـ.. يا حبيبي"..
فيجيبني ببلاهة:
ـ "اللي هي إيه يعني؟"..
فأثور في وجهه:
ـ "الأهرامات.. الأهرامات يا بني آدم اللي قدامك دي"..
فينظر إليها نظرة سريعة.. بلا مبالاة عجيبة.. ويعود للتساؤل بدهشة أكبر:
ـ "أيوه يعني نشوف فيها إيه بالظبط؟"..
فأتماسك.. وأحاول تبصيره بالجريمة التاريخية التي يرتكبها في حق الفراعنة.. وأقول له وأنا أضغط على الحروف:
ـ "الأهرامات دي مبنية من خمس تلاف سنة ولسه صامدة لحد النهاردة"..
فيعود ليسأل:
ـ "صدقنا وآمنا.. احنا جايين هنا ليه بقي؟"..
وأحد الطلبة يعقب على كلام زميله:
ـ "حضرتك هتبني بيت وجاي تتفق مع المقاول اللي بنى الهرم ده؟"..

فيكاد يغمى عليّ.. أو أصاب بأزمة قلبية علي الأقل.. ولكني أتمالك أعصابي بقدرة قادر وأغتصب ابتسامة مشنوقة.. وأنا "أطبطب" رأسه تحية لعبقريته.. وأقول له وأنا أضغط على أسناني حتى كادت تتحطم:
ـ "تمام .. بالظبط يا حبيبي"..
ثم أميل لأهمس في أذنه:
ـ "بس ده سر بينّا.. إياك تقوله لحد.. هه.. فاهم؟"..
فيهز الولد رأسه في كبرياء ويقول:
ـ "على رقبتي يا أستاذ.. هو أنا عيل صغير؟!!"..

ويسرع بالانصراف وهو يكاد يطير من الزهو والفرحة لأن أستاذه يأتمنه على مثل هذه الأسرار الخطيرة!
ومجموعة ثانية من الأولاد.. "جابو من الآخر".. إذ على الأرض فرشوا ورق الجرائد.. وبين لحظة وأخرى ظهرت السندوتشات والمشروبات والحلوى والشيبسي وهاتك يا أكل وشرب وضحك وهزار!

ومجموعة أخرى لم تجد في منطقة الأهرامات أكثر من ملعب للكرة.. إذ كرة قدم فجأة كانت قد ظهرت من حيث لا أدري.. والفرقة تم تقسيمها.. والأحجار وضعت لتحديد المرميين.. واللعب حمي والأصوات علت والشجار كذلك!

وأنا أنظر نحوهم في غيظ.. أضرب كفاً بكف.. وأكاد أموت حسرة على ما أرى.. وأتصور الفراعنة العظام يشاهدوننا من وراء الحجب.. في هذه اللحظة بالذات.. ويبكون أشد البكاء على هذه الحال المزرية!!

ولكني فجأة ألمح طالباً يرمق الهرم الأكبر في تركيز واهتمام غير عادي.. ويعدل من وضع نظارته علي عينيه أكثر من مرة حتى تتضح الرؤية.. فأسعد.. وأطرب.. وأسرع إليه.. وأربت كتفه في فرح وأنا أقول له:
ـ "هيه.. الأهرام عاجباك يا حبيبي؟"
ـ "طبعاً"
ـ "شايف أد إيه كبيرة وضخمة؟"
ـ "طبعاً"
ـ "وعارف إنها مبنية من خمس تلاف سنة ولسه زي ما هي؟"
ـ "طبعاً"

وأجد أحد المشرفين ينادي عليّ من بعيد لمساعدته في تجميع الأولاد والاستعداد للذهاب لمكان آخر؛ فأترك الطالب الممتاز علي مضض.. وأذهب للمشرف.. وعلى فمي ابتسامة سعادة.. إذ واحد على الأقل من وسط هؤلاء.. الحـ.. الحلوين.. قد أفلح..

وفي الأتوبيس وسط الصخب المعتاد، والأصوات المختلطة العالية.. رأيت الولد صاحب السر يغمز لي من بعيد، وهو ما يزال يبتسم في سعادة وفخر.. كما رأيت الطالب الممتاز مرة أخرى.. فهممت بالانتقال إلى مكانه لاستكمال الحديث السابق.. بيد أنه كان يقترب من أحد المشرفين ويسأله بمنتهى البراءة:
ـ يا أستاذ.. هو احنا هنروح الأهرامات إمتى؟؟


  • Currently 75/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
25 تصويتات / 164 مشاهدة
نشرت فى 18 يونيو 2005 بواسطة anbaa1

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

647,014