جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
|
عن الرحلات سألوني (1) ... (جمل متنكر في هيئة أتوبيس) |
|
| |
 |
|
قررت المدرسة يوماً القيام برحلة ترفيهية.. فالأولاد طبعاً في منتهى التعب والإرهاق من كثرة المذاكرة ومجهود الاستيعاب الخرافي الذي يبذلونه طوال السنة!.. وفي حاجة لإنعاش عقولهم وإراحة أبدانهم من أجل المزيد من الإنجاز والتفوق!
وإلى القاهرة قرروا الاتجاه.. فالأولاد أيضاً -وبإجماع غير عادي- أكدوا أنهم سوف يموتون كمداً.. لو لم يروا حديقة الحيوانات التي يسمعون عنها من زمن.. وخاصة جبلاية السادة القرود!
وفي صباح يوم عاصف لطيف فاتحني المدير العزيز في الأمر.. ومن أنه لن يجد طبعاً خيراً مني للإشراف على الأولاد الظرفاء.. والمحافظة عليهم والسهر على راحتهم.. كما أخبرني بأن الأمر أولاً وأخيراً يرجع لي وأن من حقي -وبمنتهى الحرية- أن أقبل أو أرفض.. ولكن من حقه هو الآخر أن يعطيني درجة عالية في تقييمه لي آخر العام أو درجة "نص كم".. فالإنسان خلقه الله حراً كما لابد أنك تعلم!
ووافقت طبعاً بمنتهى الحرية والديمقراطية.. وأنا أكاد "أفرقع" من السعادة والهناء والشرف الرفيع الذي اختصني به مديري العزيز..
والأتوبيس الذي أحضروه -كما لابد أنك تعلم أيضا- ليس فائق الجودة بالضرورة.. ولا خاضعاً لمواصفات الجودة "الأتوبيسية" العالمية.. فالفلوس على "الأد" وفي الأول والآخر "دول شوية عيال أهم حاجة عندهم الزيطة والتنطيط وخلاص".. ورغم معرفتي التامة بهذه الحقائق الكونية الراسخة.. فإنني عندما رأيت الأتوبيس لأول وهلة.. فُجِعت.. فلم أكن أتخيل للحظة واحدة.. أن هذا الشيء من الممكن أن يكون أتوبيس رحلتنا.. أو أية رحلة أخرى على الإطلاق!..
فمن مظاهر الأتوبيسات التي أخبرنا بها من نثق بروايته من أهل الخبرة.. لم يكن أتوبيسنا العزيز يملك إلا العجلات فحسب!.. فالزجاج عملة نادرة بالنسبة للشبابيك.. كما أن "التنجيد" للكراسي يعتبر رفاهية.. مثلها مثل وجود "سوست" أسفل العجل لامتصاص الصدمات.. وطبعاً موضوع الإضاءة الداخلية حلم من أحلام اليقظة... أما وجود قفل للباب يسمح بإغلاقه فهذا تبذير لا مبرر له على الإطلاق!
ولم يكن أمامي على أية حال إلا أن أبتلع صدمتي وعجبي وأغلق فمي.. وأسلم أمري لله.. ووسط "الزيطة والهيصة" والصراخ... أحاول تحقيق معجزة ترتيب الأولاد داخل شبه الأتوبيس المحترم.. ثم أحشر نفسي مع بقية السادة المشرفين في أي مكان خال كيفما تيسر...
وعندما أدار السائق العجوز المفتاح.. وبعد محاولات عديدة.. كعدد سكان مصر.. ارتجف الوحش الهائل.. المريض لدرجة الموت.. وارتفع صوت قرقعة هائلة كصوت ألف جرس يتكسر.. وفاحت رائحة دخان عاتية.. كأن قرية كاملة من آكلي لحوم البشر تحترق!... ثم تزحزح الجسد العملاق مجرد سنتيمترات بسيطة فقط.. وكانت فرحة كبيرة.. وارتجت البلدة كلها والقرى المجاورة أيضاً بصياح الأولاد المندهش الفرحان لهذه المعجزة غير المتوقعة أبداً.. ويا سلام عندمـا اكتشفنا بمحـض الصدفة وجود "راديو" قديم متهالك أيضاً يطل علينا -في بؤس وشقاء- من ركن الأتوبيس.. وصدق أو لا تصدق فقد كان يعمل كذلك!.. صحيح أنه لا يعرض إلا إذاعة القرآن الكريم فقط.. ولكن احمد ربنا.. فهذا لاشك أحسن ألف مرة من عدم وجود أي شيء على الإطلاق..
وبدأت الرحلة المذهلة!!! والأتوبيس المصيبة الذي نركبه -والذي لا يختلف كثيراً عن أي جمل يحترم نفسه- يتهادى.. ويتبختر على راحته.. وراحة راحته.. ويبدو فناناً سريالياً غير عادي القدرات.. لا يحلو له إلا النزول في كل المطبات التي خلقها الله.. حتى سرت موجة من الرأي العام بيننا تقول إنه لو لم يجد السائق مطبات في الطريق لما دخل فيه من الأساس.. وربما يرجع هذا إلى وجود استلطاف قديم بين كل من السائق والأتوبيس والمطبات!
وفي كل ثانية تخبط أذنك أرقى الألفاظ والشتائم من مختلف جنسيات السائقين الذين يوقعهم سوء حظهم في قرعتنا ويسيرون خلفنا.. والسائق والحق يقال "عمل اللي عليه" إذ بالبنط العريض وعلى ظهر الأتوبيس قد كتب: "يا تهدي... يا تعدي" في نية واضحة للمشي على مهل حتى لو كانت الرحلة تستغرق 10 سنوات ضوئية!
ويتهادى بنا الجمل الحديدي وسط شلالات الهواء الطاحنة التي تفرم أجسادنا بالبرد والتي تتدفق بمنتهى الكرم والأريحية من بقايا الزجاج المتكسر الذي نرى آثاره على الشبابيك... والمناظر الطبيعية التي ما تكاد تدقق النظر في أحدها حتى يمسحها من أمام عينيك مشهد آخر.. وهكذا دواليك..
والغريب أن كل هذا.. لم يمنع الأولاد العفاريت من الاستمتاع بالرحلة إلى أقصى حد.. فبعد ثوان كانت حناجرهم تتشابك.. وأيديهم تتماسك.. وعلى إيقاع واحد تتمايل الأجساد الصغيرة الفرحة بالحياة والسعيدة -رغم كل شيء- بما يحدث!
وتنوعت الأغاني الشعبية الرائعة التي راحوا يرددونها بحماس منقطع النظير.. فمنها ما يتكلم عن ضرورة التكافل الاجتماعي بين مختلف طوائف الشعب والإحساس بالغير ومساعدة من يحتاج للعون مثل:
"أنا عازماك الليلة عندنا.. دا إنت غريب ومانتش من هنا.. وإذا كنت خايف من بابا.. بابا مش هنا"
ومنها الأغاني ذات المضمون الحماسي المتأجج والتبشير بالانتصار وقهر الصعوبات مهما حدث مثل:
"العجل هد المصطبة.. يا منجد علّي المرتبة"
كما رأينا كذلك الأغاني التي تتذكر الماضي الغابر بالخير وتكن له كل احترام وتقدير وتتغنى بأمجاده:
"أنا نونو صغير.. بنطلوني قصير.. . عايز أشتري شرابات"
وكنت أستمع إليهم تارة.. وتارة أتخبأ أكثر في ملابسي الثقيلة.. حتى لا أتجمد من البرد.. وأهمس في سري:
"الله.. يخـ.. يكرمك يا اللي كنت السبب"
وأعلم أنها مجرد بداية وأن ما سوف يحدث لي في باقي الرحلة.. لاشك.. رهيب.. رهيب!
|
ساحة النقاش