بلا فائدة

 
 
 
كانت تسير -كعادتها- في السوق بعد أن انتهت من التسوق عائدة إلى منزلها. وفجأة اصطدم بها ذلك الشخص. فرفعت عينيها إليه و..
"إنت إيه أعمى ما بتشوفش"..

ارتبك الشخص من لسانها السليط، وتلك الثورة العارمة، فلم يتفوه إلا بكلمة واحدة
"آسف"..

ثم نظر إليها متمعنا و...
"طنط "كريمة"، ازيك.. إنت مش فاكراني, أنا "سامي" جارك في المنيل"

نظرت إليه هامسة: "طنط‍‍‍.. كل الشحط ده بيقول لي طنط"..
ثم وجهت إليه الكلام: "سامي مين؟ أنا مش فاكراك"..
فرد: "سامي اللي كنت بتذاكري له محاسبة وأنا في الدبلوم"..

"ياه"..

تذكرت.. هذا الشخص الطويل العريض ذو الشارب الكثيف، هو نفسه ذلك الصبي الصغير الذي كان يقطن في الشقة المواجهة لشقة عائلتها القديمة.. وقطع استرسال ذكرياتها قائلا:
"على فكرة أنا اتجوزت في نفس الشقة، والنبي يا طنط تيجي تشرفينا فيها ده الولاد هيفرحوا قوي"..

"ولاد! وكمان عنده ولاد!"..

"قلت إيه يا طنط؟"
انتبهت على صوته و..
"هه.. ربنا يسهل"
 ثم أكملت سيرها، فاستوقفها قائلا:
"يوم الخميس، هاستناكِ ع العشا.. اوعي تنسي"
هزت رأسها موافقة.

 

وفي شقتها خلعت حجابها، ونظرت إلى المرآة، لأول مرة تنتبه إلى تلك الشعيرات البيضاء التي أعلنت غزوها لرأسها.. وتلك التجاعيد التي حفرت لنفسها سكنا أسفل عينيها.. لقد مر الزمن دون أن تدري.. كانت دائما عصبية، ومتسلطة، وتكره أن يفرض أحد رأيه عليها, حتى والدها ووالدتها لم تسمع أبدا لهما، وظلت بلا زواج. حتى بعد وفاتهما ظلت وحيدة في هذه الشقة.

والغريب أنها أقنعت نفسها بأنه لن يتحكم فيها أي مخلوق أيا كان، وأنها ستعيش حرة، وعاشت وحيدة، وتخيلت أن هذه هي الحياة المثالية، واليوم فقط اكتشفت أنها خدعت نفسها.. ماذا حققت طوال السنوات الماضية؟ لا شيء.. إنها حتى لا تملك وظيفة، واكتفت بأن تبيع بعض الملابس والأقمشة لبعض جيرانها ومعارفها في شقتها.. وهذا الصبي الذي كانت فعلا تذاكر له كما قال تكبره بأكثر من اثنتي عشرة سنة، وهو الآن رجل ناضج له أسرة وأولاد.. لقد كبرت حقا دون أن تدري.

ثم جاء يوم الخميس، وظلت مترددة لآخر لحظة، ولكنها في النهاية دفعها فضولها للذهاب.. وبعد عبارات الترحاب، عرفها "سامي" بزوجته وولديه.. كانا بنتا وولدا هما للشياطين أقرب.. ورأته يحاول مع الولد كي يأتي ليرحب بها وهذا الشيطان الصغير لا يرضى أبدا، وأخيرا جذبه والده و..

"أهلا يا.. أقول لها يا إيه؟"
لكزه والده "قول لها يا (تيتة) يا ولد"..

صدمتها الكلمة..
"تيتة"؟ معقول!.. ومش معقول ليه؟ ما باباه بيقول لي يا "طنط" يبقى لازم أبقى "تيتة"..
"بس دي مش "تيتة"..

قالها الولد في تحد و"رزالة".. وقتها تمنت أن تكون جدته -بالرغم من "قلة أدبه"- ووجدت نفسها تقول:
"أنا مش جدتك، بس أنا قدها يا حبيبي في السن فياريت تقول لي يا (تيتة)".

ولكن الولد نظر إليها في عناد قائلا:
"لأ مش هاقول"..

وجرى مسرعآ.. ونظرت إلى "سامي" فوجدته ينظر إليها في إشفاق ولوم. ولكن قوتها وتسلطها لم يمنعا تلك الدمعة التي جاهدت لتمنعها من أن تسيل، وتسقط ذلك القناع الزائف من على وجهها، وتظهر الحقيقة التي لم تؤمن بها سوى هذه اللجظة وحاولت تجاهلها طوال عمرها الماضي.. أنها أنثى.. وأنها ضحت بكل حقوقها التي منحها لها الله في سبيل أن تحيا في بيت تحكمه هي وحدها.. ولكنها اكتشفت أنه بيت بارد أشبه "بالثلاجة" توضع بها الثمار فتحفظها لفترة، ولكنها لا تثمر.. وإن طال عليها الوقت ذبلت وماتت.. بلا فائدة.

  • Currently 50/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
17 تصويتات / 181 مشاهدة
نشرت فى 18 يونيو 2005 بواسطة anbaa1

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

647,242