|
إننا لا ننسى لعميد الأدب العربي مواقفه الوطنية المشرفة من أجل الشعب المصري فقد نادى مراراً وتكراراً بإصلاح التعليم.. وعندما أراد "مصطفى النحاس" أن يعينه في وزارة المعارف عام 1950 لم يقبل "طه حسين" هذا العرض إلا بشرط أن يكون التعليم مجانيا لكل أبناء الشعب المصري، وقد ظل في الوزارة عامين فقط.
بفضل جهوده الفكرية منحه الرئيس الراحل "جمال عبد الناصر" جائزة الدولة التقديرية عام 1958 ولم تمض 7 سنوات حتى كرمته مصر بقلادة النيل من الدرجة الأولى عام 1965.
لعبت مقالاته الجريئة (التي كان يحض فيها على انتهاج مبدأ الشك في كل شيء) دورا كبيرا في غضب الكثيرين عليه والدخول في العديد من المعارك الأدبية.
ومن أشهر كتاباته التي عبّر فيها صراحة عن رأيه، كتاب "في الشعر الجاهلي" الذي ألّفه عام 1926، والذي أشعل نار الثورة في نفوس المصريين الذين تقدموا باحتجاج رسمي للبرلمان يطالب الحكومة أن توقف الدعم المادي للجامعة الأهلية المصرية لأنها تخرج هراطقة.
ولكن "سعد زغلول" رئيس مجلس النواب آنذاك تخلص من هذا المأزق بشيء من الدهاء؛ إذ قال لابد أن نوقف دعمها عن الأزهر أيضا؛ لأن الباحث محل الاستجواب تخرج من الأزهر قبل أن يتخرج في الجامعة.
ثم استدرك قائلا ليهدئ من روع الغاضبين: "إن مسألة كهذه لا يمكن أن تؤثر في هذه الأمة المتمسكة بدينها.. هبوا أن رجلا مجنونا يهذي في الطريق، فهل يضير العقلاء شيء من هذا؟ إن هذا الدين متين وليس الذي شك فيه زعيما أو إماما حتى نخشى من شكه على العامة، فليشك من يشاء ماذا علينا إذا لم يفهم البقر؟"
جدير بالذكر أن "طه حسين" قد صودر مؤلفه هذا وقُدم للنيابة؛ فاضطر إلى إعادة تأليف الشعر الجاهلي وإنزاله في طبعة جديدة باسم الأدب الجاهلي عام 1927؛ حيث حذف الفصل محل الخلاف وأبدله بفصل آخر.
آراؤهم في كتاباته:
لقد اتهم الأزهر "طه حسين" بالكفر والإلحاد عقب صدور كتابه "في الشعر الجاهلي"؛ حيث قــرر علماء الأزهــر أنه ينكر -أي "طه حسين"- وجود كل من "إبراهيم" و"إسماعيل" (عليهما السلام) بوصفهما أنبياء مسلمين كما أنكر ما يسمى بالشعر الجاهلي بل أنكر وجوده من الأساس مدعيا أن ما عُرف بالشعر الجاهلي من وضع الشعراء المسلمين، ومن هذا المنطلق فقد يكون لهؤلاء الشعراء دور في تعديل بعض آيات القرآن، وقد كان هذا الكتاب موضع خلاف بين "طه حسين" و"مصطفى صادق الرافعي"..
وكان من بين الذين هاجموا فكر "طه حسين" "محمد لطفي جمعة" الذي نقد كتابات "طه حسين" في كتابه "الشهاب الراصد"، وأيضا "محمد فريد وجدي" في "نقد الشعر الجاهلي" وقد كان لرد "عبد المتعال الصعيدي" (أستاذ البلاغة) أثره في زيادة حدة الهجوم على "طه حسين"؛ حيث كان أ."عبد المتعال الصعيدي" يؤكد أن كتاب "الشعر الجاهلي" ما هو إلاّ ترجمة حرفية لكتاب "مقالة في الإسلام" لأحد المستشرقين الإنجليز المتحاملين على العرب والإسلام.
أنكر "طه حسين" في كتابه"الفتنة الكبرى" شخصية "عبد الله بن سبأ"، وقد ثار ضده وقتها كبار الكتاب أمثال "محب الدين خطيب" و"محمود محمد شاكر"؛ حيث أدانوه بأنه اعتمد على مصادر مشكوك في صحتها من الأساس، فقد اعتمد على "أنساب الأشراف" لـ"البلادذري" و"طبقات الشعر" لـ"ابن سعد" وكلاهما قد عُرف بعدائه للعرب بالإضافة إلى اعتماده على أحاديث ضعيفة موضوعة وجعلها أساسا لدعم آرائهما.
ثار ضده الأدباء والكتاب مرة أخرى عام 1938 عندما نشر "طه حسين" في إحدى المجلات السورية وتُدعى "المكشوف" أن المصري فرعوني قبل أن يكون عربياً.. وأن أحد الطلاّب المصريين الذين درسوا بالخارج ذكر أن الدين الإسلامي لو وقف حاجزا بيننا وبين فرعونيتنا لنبذناه. وأكد "طه حسين" قوله، وهذا ما ذكره "أحمد أمين" و"محمد غلاّب" و"محمد جمعة"؛ حيث أدانوه في هذا الرأي بشدة.
يرى الكثير من القراء والكتّاب أن "مستقبل الثقافة في مصر" ليس إلاّ شكلا من أشكال التغريب، ومحاولة لمسخ الهوية العربية والإسلامية وضياعها في الهوية الأوروبية؛ حيث يدعو في كتابه إلى تهميش اللغة العربية، وإبعاد الدين كمادة للتدريس في المدارس، وتقليد المجتمع الأوروبي بصورة عمياء.. وغيرها من دعوات التغريب. |
ساحة النقاش