جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
|
مترو الأوبرا |
|
| |
|
هدأ المترو من سرعته تدريجيا حتى توقف في محطة الأوبرا، وفتحت أبواب العربات وكنت الوحيد الذي خرج من المترو بينما ركبه جمع صغير كان منتظرا على الرصيف، وقفت قليلا أتابع إعلانا مفضلا لدي على إحدى الشاشات المتدلية من سقف الرصيف، ثم أدخلت تذكرتي في الماكينة وعبرت إلى بهو المحطة التي كانت خالية تماما من أي ركاب فصعدت السلم المؤدي إلى أحد المخرجين ولدهشتي كان المخرج مغلقا! عدت متجها نحو المخرج الآخر فكان مغلقا أيضا!! تساءلت في عقلي عن هذه المزحة السخيفة التي يقوم بها عمال المحطة، نزلت مرة أخرى إلى بهو المحطة كي أسأل أحد العسكريين أو الموظفين لكنها كانت خاوية على عروشها تماما، واعتراني الذهول عندما وجدت شبابيك التذاكر بدون موظفين فاقتربت أكثر لأجد المكاتب مضاءة وبضع تذاكر على جانب، ومجموعة أوراق نقدية -فكة- على الجانب الآخر من كل شباك، وقفت قليلا لا أدري ما الأمر فذهبت باتجاه المعامل وغرف الفنيين عساني أجد أحد العمال فأسأله عما يجري فوجدت كل غرف الممر مفتوحة الأبواب مضاءة ولكنها مرة أخرى دون موظفين، كانت الساعة وقتها السادسة ونصف مساء، فتعجبت من هؤلاء الموظفين الذين تركوا المحطة بهذا الشكل الفجائي وبهذا الإهمال! ولكن مهلا.... ليس الأمر هكذا كيف يتركونها وشريط فيديو الإعلانات لا يزال يعمل من خلال الشاشة الموجودة أعلى الرصيف، وكيف يتركون عهداتهم هكذا؟ بل إن الوقت نفسه مبكر جدا لغلق المحطة.
صحت قليلا "السلام عليكم .... أما من أحد هنا؟!" فلم يجبني سوى صدى صوتي، على الفور اتجهت صوب شباك التذاكر وأدخلت يدي من الفتحة والتقطت تذكرة وللأمانة أخرجت جنيها من معي وأودعته مع الفكة وأخذت 25 قرشا بدلا منه، ونزلت إلى الرصيف بالأسفل عبر السلم الكهربي الذي تركوه يعمل هو الآخر، جلست في انتظار المترو فلم يأت على اتجاه الجيزة أو اتجاه شبرا المقابل! والعجيب أن الرصيف المقابل أيضا كان خاليا من أي راكب ينتظر قدوم المترو السعيد!... أدركت أن هناك عطلا أكيدا في شبكة المترو ولعلهم سيصلحونه عما قريب فجلست أنتظر فمضت ساعتان دون جدوى، خلال الساعتين كان شريط الإعلانات قد انتهى وعادت الشاشات تصدر صوت الأزيز المماثل لصوت انتهاء بث محطات التلفاز العادي، يبدو أن المسئول عن إدارة الأشرطة غير موجود أيضا، وفجأة تذكرت أن هناك بابا للطوارئ وبالفعل كان الباب موجودا على الرصيف فحاولت فتحه ولكنه كان موصدا! فحاولت فتحه مرة أخرى بمزيد من القوة فتعلق طرف بنطالي بمسمار بارز بأسفل الباب فتمزق قليلا، ففكرت في الباب الموجود على اتجاه شبرا فقفزت من فوق ماكينتي التذاكر عابرا إلى الرصيف المقابل لأجد الباب موصدا هو الآخر، عدت إلى رصيف اتجاه الجيزة مرة أخرى وكانت عقارب الساعة تشير إلى العاشرة، وجدت كبائن الهاتف ولكني لا أحمل كارتا لها كما أنني لا أملك هاتفا محمولا كي أتصل بأحد، وقفت يائسا لساعة أخرى فخطرت ببالي فكرة مجنونة وهي أن أسير عبر النفق المظلم حتى محطة السادات ولأراعي أثناء تلك المغامرة محاذاة القضيب والالتصاق بحائط النفق، ولكني عدلت عن تلك الفكرة وقلت لنفسي لنجعلها آخر خيار ممكن، وجلست على مقاعد الانتظار حتى كانت الرابعة فجرا، فغلبني النعاس.
استيقظت على ضوضاء وآلام في الرقبة، فنظرت عن يميني لأجد مجموعات من الناس يتحدثون فيما بينهم، وهم ينتظرون المترو!!! نظرت إلى الساعة فكانت الثامنة وخمس دقائق صباحا واسترعى انتباهي أن الشاشات الموجودة أعلى الرصيف عادت لعرض إعلاناتها، فلم أدر كيف اتجهت مسرعا نحو الخروج متخطيا ماكينة التذاكر قفزا، وصعدت إلى بهو المحطة لأجد بعض المواطنين يبتاعون التذاكر من أمام الشباك، ووجدت الفنيين يروحون ويجيئون في أرجاء المحطة، أحدهم يأخذ سيجارة من أحد العسكريين، فوقفت فجأة حائرا ثم ذهبت لعسكري فسألته عن سبب توقف المترو بالأمس فقال لي: "المترو يا عمنا لا يقف قبل 11 مساء"، ثم سألت أحد الفنيين عما وجدته من المكاتب المفتوحة فقال لي بنظرة شك وارتياب: "جئنا منذ ساعة لنلقى المكاتب مقفولة وكله تمام والعهدة محفوظة" ثم باغتني بالسؤال: "ومالك أنت؟" فقلت له: "ألا تدري أن محطة الأوبرا كانت خالية يوم أمس من السادسة مساء، ولم يأت إليها المترو سواء على اتجاه الجيزة أو شبرا؟" فأجابني باستهزاء: "يا عم هذا في منامك، شيء كهذا نحن أول من يعلم به، من الذي قال لك هذا الكلام؟" فأجبته:" أنا بنفسي كنت هنا في المحطة وقضيت الليل هنا وصحوت للتو"..
فقال حانقا:" كيف وأنا بنفسي وصلت الكهرباء لكل أنحاء المحطة بما فيها كاميرات وشاشات الرصيف، ولم أر أحدا نائما أو يقظا؟ ارحل عني فلست رائقا للمزاح" ونادى على زميل له ورأيتهما ينظران لي بتهكم. هنا تراقص أمام عيني تفسير أنني غفوت وحدث لي نوع من خلط بين الحقيقة ووهم الأحلام ربما، فخرجت مسرعا من المحطة وكانت بداخلي فرحة لا أدري مصدرها، فوجدت بائع بطاطا يدفع عربته فعزمت أن أشتري منه إفطاري فأخرجت حافظة نقودي ووقعت المفاجأة علي كالصاعقة إذ وجدت في الحافظة تذكرة مترو بتاريخ الأمس!!!!، كما وجدت ربع الجنيه الذي أخذته كباق بعد أن تركت جنيها في الشباك الخالي من موظفه! وحينها فقط أحسست بهواء في أسفل ساقي ففطنت إلى تمزق خفيف في طرف بنطالي، فتذكرت المسمار البارز من باب الطوارئ!!!! سكت عن الكلام، فسألني صديقي: "ثم؟" فأجبت "لا شيء أكثر" فنصحني بنسيان القصة برمتها، ولكن.. كيف أنساها؟
|
ساحة النقاش