حسب التوقيت المحلي لميدان الجيزة

 
 

خرجت من المحاضرة -التي دامت أبدا- الساعة الثامنة والربع بتوقيت ساعة جامعة القاهرة. خرجت مع صديقتي للتمشية حتى الجيزة، وبعد ربع ساعة وصلنا إلى قرب نهاية شارع الجامعة لنجد الساعة الثامنة بتوقيت نهاية شارع الجامعة. ثم وقفنا لشراء بعض الشطائر والثرثرة قليلا وبعد نصف ساعة وصلنا إلى شارع المحطة لنجد الساعة السابعة وخمس دقائق بتوقيت شارع المحطة. ثم ركبت "الميكروباص" لأصل بعد ربع ساعة إلى ميدان المنيب لأجد الساعة الثامنة والربع بتوقيت المنيب، وبعد عدة دقائق وصلت إلى منزلي لأجد الساعة التاسعة والنصف بتوقيت بيتي.

وهنا اكتشفت إحدى عجائب -بلاد العجائب- القاهرة، فالتوقيت يختلف من شارع لآخر ومن منطقة لأخرى، وهذا الاكتشاف أجاب لي عن لغز دائما "حيرني" وهو تلك الاختلافات بيننا وبين بعضنا البعض وبيننا وبين الآخرين.

 

قد تسألونني ما معنى ذلك؟.. وأجيب عليكم -بما فتح الله علي- بالتالي:
اتضح لي أن الموضوع ليس مجرد اختلاف في التوقيت بل اختلاف في العصور التي يعيش فيها كل منا. فعندنا بيوت تعيش في الساعة السابعة من عام 1880، حيث تغلق البيوت على الفتيات والنساء ليعشن في عصر الحريم، ولا يرفعن رءوسهن أمام طفل في العاشرة يعتبره أبوه رجلا. وهناك بيوت تعيش في الساعة العاشرة من عام 2222 حيث تعيش الفتيات في المقاهي لا في بيوتهن ويتضاحكن مع أصدقائهن على أنغام "قرقرة الشيشة".

ولدينا بيوت تعيش في الساعة الثالثة عصرا من عام 1970، حيث لا يزالون يتناقشون حول الاشتراكية والوحدة العربية وأسباب الهزيمة... و... وكأننا لم نخرج من هذا العصر وليس لدينا ما نفكر به من أحداث أخرى مرت وتمر علينا. ولدينا بيوت تعيش في الساعة التاسعة مساء بعد انتهاء مباراة الأهلي والزمالك عام 1983، ولا حديث لهم إلا نتيجة تلك المباراة ومقارنتها بنتائج مثيلاتها ومستقبل الكرة التي لا مستقبل لها عندنا.

ولدينا بيوت تعيش في الساعة السادسة مساء من عام 1948، وما زالوا يعيشون هول صدمة فقد فلسطين ولم يأت عليهم الوقت بعد للقيام بعمل ما لاسترداد ما فقد؛ فهم مازالوا وسيظلون في حالة شلل بسبب تلك الصدمة لا يخرجون منها ولا يفكرون حتى في أن يفعلوا شيئا عدا "اللطم والولولة". وهناك بيوت تعيش في الساعة الرابعة ظهرا من عام 1973 حيث لا يملون الحديث عن الانتصار والمجد وقدراتنا الخارقة. وأغمضت عيونهم عن كل الهزائم والإهانات المريرة التي محت طعم يوم السعادة الذي هو من القلائل في تاريخنا الحديث.

وهناك بيوت تعيش خارج الزمن، فهم لا يمتلكون ساعة ولا توقيتا، ولا يريدون ذلك من الأصل. فشعارهم:
"الدنيا أوضة كبيرة للانتظار.. فيها ابن آدم زيه زي الحمار"
ولذلك فهم لا يفعلون شيئا غير الانتظار، ولكن انتظار ماذا؟ لا أدري، وقد يخبرونك بأنهم فى انتظار "الفرج"، ولكن لا تصدقهم فالفرج لا ينتظر بل يسعى إليه، ولكن الانتظار لديهم أصبح غاية لا وسيلة. ولأن مرور الوقت يصبح مملا حين تكون في حالة انتظار، فقد أسقطوا الوقت من حساباتهم، بحيث أصبح بلا قيمة، فاليوم مثل الشهر مثل العام لا فرق بينهم، ولذا فقد حطموا ساعاتهم ونسوا التوقيت.

وأخيرا ففكرة اختلاف التوقيت لا تنطبق على بيوتنا فقط ولكن تنطبق على مدننا وبلادنا بأسرها. وهذا يرد على من يتهمنا بالتخلف، فنحن لسنا متخلفين، ولكن توقيتنا قد تأخر قرنا عمن حولنا، وبالتأكيد هذا ليس ذنبنا! وإنما هو وضع فرض علينا، لا دخل لنا به! وأعدكم أنه بعد مرور هذا القرن ستتبدل الأحوال، وحتى إن لم تتبدل فلا تلوموا علينا، فإنما هو فارق التوقيت!

  • Currently 30/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
10 تصويتات / 199 مشاهدة
نشرت فى 16 يونيو 2005 بواسطة anbaa1

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

647,283