حاجات قديمة كتير

 
 


 

 

"ما كان في حيلتي إلا أن أتمنى كل ما لا أستطيعه"

**** **** ****

- ليلى، إنت عندك حاجات قديمة كتير... افرزيها وشوفي اللي محتاجاه منها.

ألقت ليلى نظرةً متفحصة مبتسمة لحاجاتها الكثيرة... لا أستطيع أن أرمي أي شيء منها ولو قصاصة ورق.

يعني دي مثلا لازمتها إيه... إنت كبرت خلاص.

عادت ليلى لتلقي نظرة عامة على حاجاتها و.... "لا أستطيع أن أرمي شيئا منها... ولكن.. آه ما قيمة هذه؟ ممكن أرميها... لا هل يمكن إصلاحها؟!"

حاولت يمنة ويسرة ولكن حتى إذا تمّ ذلك فلن تستعيد نضارتها مرة أخرى. إذن... سـ... سأرميها.

نظرت الأخرى بعينين زرقاوتين لم تفلح تصاريف الزمن أن تطفئ بريقهما. وبشعر بنيّ أشعث وضفيرتين لم ينقضهما العبث وكثرة التنقل، طأطأت رأسها في أسى.

ودارت في رأسها الصغير أفكار وأفكار ومرت عليها سنون في ثوان. تذكرت عندما كانت في المحل بين الآخرين صبيان وبنات، شقر وسمر، كبار وصغار. كانت ترمق كل من ينظر إليها ويعجب بها بنظرات نارية فلا يكون منهم إلا الإحجام. آمنت بأن الجلوس هكذا بلا عمل أو حركة لهو أكرم لها من أن تتناولها الأيدي وتتقاذفها الأرجل أو ربما... تدوسها... من يدري.

حتى رأتها. صغيرة ليست كباقي الصغار... جميلة ليست كالجميلات.... رقيقة ليس لرقتها مثيل. دخلت هي ووالدتها الجميلة المحل.

هي تبحث وأمها الجميلة تتابع لترى أين ستحط بعينيها.

جالت ببصرها الهادئ أرجاء المكان. لم تفلح ملامحها الساكنة في إخفاء حيرتها.

حتى لمحتنا أنا ومن كان بجانبي... "ولد سمين مدكوك وطري ولونه كاروهات".

طرت فرحا لما لمحتني... تمنيت لو أنني أستطيع أن أحبس بصرها عن الآخرين.. أن أوقف عينيها عندما تقف عندي للحظة... تمنيت لو أنني أدري المحاورة وأعرف الكلام... لا أعرف سوى أن أغني أغنيتين.

أريد أن أتكلم معها وأرجوها أن تكتنفني برعايتها... أن تأخذني في حضنها الصغير الذي يسع الدنيا.

تمنيت لو أنني أستطيع الحركة... آه لو أمشي... آه لو أقفز... آه لو أجري.. أتعلق برقبتها... أمسك بتلابيبها... ألتصق بها فلا أفارقها.. آه لو أنني ألمس... للامست كفيها البضتين البيضاوتين. ما كان في حيلتي إلا أن أتمنى كل ما لا أستطيعه.

تمنيت... ولو... وآآآآه.. حتى... حتى رست بأهدابها عليّ والتفتت لوالدتها: آه ياماما دي حلوة.

وعدت أنا أتمنى كل ما لا أستطيعه لكي أهلل وأصرخ وأجري وأقفز من الفرحة.

...................

.....................

حملتني بكل الرفق والحنان الذي لم أذق له طعماً من قبل حتى وصلنا للسيارة. لم تضعني مع الآخرين في صالون العربية. آثرت أن تحملني على قدميها. تعرفت على إخوتها... هي أكبرهم والبنت الوحيدة.

أخيرا... أصبحت فرداً من أسرة جميلة تحيا حياة هادئة يغمرها حبُ فاض ليشمل الآخرين حتى أنا!!

هيأت لي مكاناً دافئاً رطباً تحت السرير.

تحت السرير كان عالمها المثالي الخاص الذي لا يجرؤ أحد على الاقتراب منه. كانت بعد أن تنظم الغرفة وتنظفها تخصص وقتاً تحت السرير الذي تحتفظ فيه - بنظام- بكل ما تحبه من قصاقيص جرائد، وهدايا صديقاتها، وجوابات بنت خالها، وشريطة شعر تريكو، تعلمت صنعها، واسكتش الرسم، وأطقم أقلام هدايا تفوقها ومسابقة تلاوة القرآن، ولوازمها المكتبية التي تؤثر أن تحتفظ بها بعيدا عن أيدي إخوتها وأهمها الألوان والصمغ.

لم تكن ترهقني أو تعبث بي أو تتركني في العراء... بل كانت ترعاني وتهدهدني وتهتم بشكلي وشعري وفستاني الوردي ذي الشرائط البيضاء. حتى إنها فكرت أن تشتري لي فستاناً آخر ولكن مقاسي كان نادراً حتى وجدت لي فستاناً "كريشيه" للشتاء. يوم أن ألبستني إياه أحسست أنه يوم زفافي وفرحت... مع أني في زفاف دائما.

وفي المقابل كنت دائما أتمنى أن أقوم بكل ما لا أستطيعه. لذا إذا طلبت مني أن أغني كنت أغني بكل طاقتي ولو في منتصف الليل ولم أخذلها أبدا. كنت أتركها تستمتع بمداعبة ملامحي ومحاولة تغيير تسريحة شعري. ولم أغضب ولم أسكت عن الغناء يوم أن قصت لي قصتي.

عشت معها السنوات الخضراء والسنوات العجاف. شاهدتها وهي تدخل تحت السرير فرحة لتضيف إلى حاجاتها شهادة تفوق وهدية الطالبة المثالية، وشاهدتها وهي تدخل تحت السرير باكية لتضيف إلى حاجاتها أقصوصة بكت فيها فراق أمها وأخرى تناجي فيها ربها وثالثة تسأل فيها عن الحب وتالية تبحث فيها عن الحقيقة وتحلم بعالم جديد.

احتملت معها... هي تبكي وأنا أغني... هي تضحك وأنا أغني.

أبعد كل هذا يخطر إلى ذهنك أن تتركيني؟... أن تتخلي عن ذكرياتك المكتوبة على ضفيرتي وفستاني المتهالك وذراعي المكسورة وقدمي الحافية؟!!

أنا لا أطلب منك شيئاً...

كل ما فعلتِه معي كان فضلاً منك.

كل ما أطلبه الآن ألا تتركيني... دعيني أبق معك.

مبعثرة... مغبرة... لا يهم.

..........

................

حاولت "ليلى" يمنة ويسرة بلا فائدة... لملمَتْها... وضعت بعضها مع ما ستتخلص منه... ترددت... أعادت جزءا... ثم.. وضعته... ثم...

لا لــــن أرمـــي عروســـــــــتي.

  • Currently 45/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
15 تصويتات / 227 مشاهدة
نشرت فى 15 يونيو 2005 بواسطة anbaa1

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

647,264