جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
|
ضوء الياسمين |
|
| |
| |
مازالت تتذكر طفولتها وهي جالسة بجوار شجرة الياسمين الجميلة التي زرعها والدها يوم ميلادها تحت شباك غرفتها.. والتي أسماها "ياسمين" على اسمها.. تذكرت ملامحها الرقيقة وشعرها الأسود الطويل المنسدل دائما على ظهرها.
مازالت تتذكر براءتها وهي تجري وراء الفراشات الصغيرة لتمسك بها.. مازالت تتذكر فستانها الأزرق القصير الذي كان يبرز جمالها أكثر ويجعلها كالحوريات.
مازالت تتذكر لون عينيها العسلي الجميل وبريقهما الذي انطفأ إثر حادث تعرضت له وهي صغيرة في العاشرة من عمرها.
وها هي الآن كبرت ووصلت إلى سن الخامسة والعشرين.. تحسست بيدها جسدها فوجدت نفسها وقد أصبحت أنثى كاملة.
انتابها شوق جامح وحنين جارف للعودة إلى ماضيها أيام لهوها مع أقرانها.. ضحكت وهي تتذكر يوم أن كانت تلعب مع أقرانها في الشارع المجاور لمنزلها.. يومها اقترب منها أحد الأولاد وكان يكبرها بعامين تقريبا وهو يقول لها: "يلاّ نلعب عريس وعروسة"؛ ردت عليه: "وأنا مالي شوف لك عروسة تانية"؛ يومها قال لها: "لأ إنتِ أحلى واحدة في البنات دول"؛ ردت عليه إحداهن في غيرة شديدة: "هي مش أحلى واحدة فينا".
يومها حدثت مشادة كبيرة بين الجميع كان نتيجتها أننا غرقنا جميعا بالمياه التي ألقتها علينا صاحبة المنزل الذي كنا نلعب بجواره.. مازلت أتذكر هذه السيدة السوداء، كانت ضخمة جدا وصوتها جهوريا.. يالها منذ ذكريات جميلة.. ترى هل مازال صديقي الصغير الذي أحببته يتذكرني؟
ترى هل مازال يتذكر نبضات قلبينا الخضراء الصغيرة؟
ترى ما ملامح وجهه الآن؟ هل لازال وسيما كما كان في الصغر أم أن مرور السنين قد غير ملامحه؟ لقد كنا أجمل عروسين عندما كنا أطفالا نمرح، ماذا لو رآني الآن بعد أن انطفأ بريق "عيناي".. لا.. لا.. لن يراني لقد رحل عن شارعنا قبل الحادث بفترة كبيرة..
مرت عليها الساعات متثاقلة كأنها الدهر كله.. استندت بيدها إلى شجرتها ونادت على شقيقتها الكبرى التي كانت تستعد لإتمام زفافها ولكنها لم تسمعها.. تحسست بيدها جدران المنزل إلى أن دخلت... فقد ألفت يدها ملمس الجدران وصار بينهما حميمية من نوع خاص..
زينتها والدتها استعدادا لزفاف شقيقتها.. ارتدت فستانها أزرق اللون الذي تحبه والذي يظهر وجهها الأبيض فأعطاها جمالا باهرا..
خرجت مع والدتها على المقعد.. وذهبت ترحب بالمدعوين وفجأة سمعت والدتها ترحب بحرارة ببعض المدعوين؛ فلفت انتباهها صوت ما... سرحت بخيالها.. تذكرت.. نعم إنه هو!! هو.. مازلت أتذكر "بحة" صوته الدافئ التي يتميز بها.. نعم إنه هو صديق وحبيب الطفولة.
أرادت أن تدخل غرفتها قبل أن يراها.. جاهدت في أن تمشي وحدها ولكنها اصطدمت بشيء ما موجود في المنزل فسقطت.. فحز ذلك في نفسها فبدأت الدموع تنساب من عينيها.. وفجأة شعرت بيد تمسك يدها ولكنها يد صغيرة جدا فنهضت ووقفت ومازالت اليد الصغيرة تمسك بيدها إلى أن أجلستها ووقفت الطفلة بجوارها.. فسألتها: "ما اسمك؟"؛ فأجابتها الطفلة: "ياسمين.. وجئت هنا مع أبي".. سألتها وقد ارتعش قلبها "وأين والدتك؟" صمتت الطفة لحظة ثم أجابت: "فوق.. عند ربنا".
انتفض قلبها وحملت الطفلة بين ذراعيها وأجلستها على راحتيها وضمتها إلى صدرها وتحسست وجهها ثم شعرت بشخص آخر يقترب منها وهو يهمس: "إنها ابنتي هل تتذكرينني؟"؛ هزت رأسها وهي مندهشة دون أن تنطق بكلمة واحدة..
"أسميتها على اسمك، كنت أتمنى طوال عمري أن أراك إلا أن سفري للخارج منعني من ذلك، وها أنا أعود إليك".
كانت "ياسمين" لاتزال تضم الطفلة إلى صدرها بشدة كأنها جزء منها.. وشعرت بضوء ما يسري بينها وبين الطفلة فابتسمت وتنهدت في ارتياح..
وكان الضوء.. ضوء الياسمين.
|
ساحة النقاش