|
صرخة المطر الهادئ |
|
|
| |
|
أمطار.. رعد.. برق.. بشر يهرولون كل يتخذ ساتره.. منهم من احتمى بجريدة اليوم التي قرأها وهو جالس ينتظر ساعات اللاعمل المملة.. منهم من كان أسعد حظا وأدرك غزارة الأمطار وهو في فراشه فسار مستترا تحت مظلته، وأما أنت فتسير غير عابئ بكل هؤلاء إنك من عالم آخر.. المطر يهطل بغزارة شديدة.. حبات المطر تكاد تخرق الأجسام.. مازلت سائرا تبدو بلا هدف.. لا يسترعي بصرك كل ما يحدث.. تقف لحظة، بل أقل من ذلك.. تنظر في الساعة.. تستكمل المسير.. معدتك تخاطبك وحتى هي لا تسمع.. تقف هذه المرة مدة أطول، عند متسول جالس على الرصيف غير عابئ بالمطر والناس، تنظر له وتتمعن.. طالت نظرتك وهو لم يتنبه لوجودك.. تمد يدك في جيبك وتخرجها وتضع ما أخرجت في جيب الجلباب الذي يرتديه الرجل.. سرعان ما تبللت النقود كما كل ما هو مبتل. مازال المطر يهطل بقسوة.. السماء تضيء أضواء خاطفة على فترات متفاوتة وتصدر أصواتا تعلن عن شيء ما تريد أن تبوح به. مازلت تنظر للرجل الواقف في الجهة المقابلة وهو يكرر ما فعله بكل هدوء وثقة.. أنت أيضا تبدو غاية في الهدوء المزدحم.. تواصل خطواتك المتأنية.. تصل للمقهى.. أي مقهى.. يجلس إلى جوارك رجل يرتدي حلة رمادية ونظارة للقراءة وإلى جواره حقيبة أنيقة وأمامه فنجان من القهوة "السادة".. أمامك شيخ جاوز السبعين يرتدي جلبابا مترهلا أكل عليه الدهر وشرب وإلى جوار هذا الشيخ شابان في مقتبل العمر يرتديان ثيابا "على الموضة" ويدخنان شيشة معسل تفاح وأمامهما كتاب ومجموعة أوراق مبعثرة. إلى جوار هذين الشابين... يقطع تفحصك لمن بالمكان وجود شخص يقف أمامك مباشرة وقبل أن تقفز إلى احتمال أن يكون هذا هو النادل، يقول لك بصوت أجش أنت له كاره: مازالت السماء تحمل الكثير. مازلت تسير، لقد قطعت شوارع وشوارع. تقريبا، لم يعد بالشوارع مارة سواك. ثيابك تشبعت بالمياه وبدأت تنضح. لاتزال سائرا.. تقترب من المنزل، تقف قليلا أمام البرج، تنظر إلى شباك غرفتك الذي تركت نوره. لم يقف البواب كعادته عندما رآك، تنظر للبواب.. لم يهتم.. لاتزال تحتفظ بهدوئك المعهود.. تفتح باب المصعد.. تسجل الدور الحادي عشر.. تفتح الباب وتخرج تاركا الباب ليغلق بلا مبالاة وهدوء.. تفتح باب الشقة.. تدخل.. ثيابك بللت السجادة الفخمة المفروشة في مدخل المنزل.. تسير نحو البلكونة.. تنظر للعصفور المقيد بالقفص يكاد يتجمد من البرد.. لأول مرة تفقد هدوءك وتصرخ: مازالت السماء تهطل بغزارة.... |
نشرت فى 15 يونيو 2005
بواسطة anbaa1
عدد زيارات الموقع
647,331



ساحة النقاش