وعاود "محمود" شعوره بالخجل من أنه لم يدافع عن الصعيدي ويساعده على الإصرار على موقفه، ومن خوفه أن يدخل في شجار حتى لا يضيع دوره في طابور من أجل كتاب في النهاية لم يشتره ومحاضرة تأخر بالفعل عنها! ماذا إذن لو كان قد ثبت على موقفه ووصل الأمر فعلا إلى حد الشجار؟ هل كانوا سيضربونه؟ "وماله، يحصل اللي يحصل مادمت على حق" همس محمود لنفسه. ولكن ماذا إذا تطور الأمر وجاء حرس الجامعة؟
عند هذا الحد من التفكير تذكر "محمود" إعلانا تليفزيونيا كان بطله يشبه إلى حد كبير الفتى المزاحم، وكان بطل الإعلان يقود سيارته الفخمة التي أوقفها حارس بوابة يمنعه من المرور، وانتهى الإعلان بالشاب ذي السيارة الفخمة وقد مر بالفعل عبر البوابة بينما الحارس يحييه باحترام وهو يأكل في تلذذ قطعة البطاطس التي رشاه بها الشاب والتي هي موضوع الإعلان!
ابتسم "محمود" في مرار.
ومر الليل بـ"محمود" طويلا متثاقلا مليئا بأحلام عجيبة رأى نفسه خلالها وهو يجر الفتى المزاحم "من قفاه" إلى آخر الطابور والفتى يبكي ويحاول أن يرشوه بقطع البطاطس.
وفي الصباح استيقظ "محمود" وهو عصبي المزاج بشكل عجيب وفي باله خاطر واحد: أن يتصدى بحزم لأية محاولة لكسر النظام والخروج على القواعد العامة.. ظل هذا الخاطر يلح عليه وهو يحلق ذقنه حتى جرحها، وظل يدور بعقله وهو يقف في طابور العيش ليشتري الخبز اللازم لإفطاره. كان متحفزا لمواجهة أي شخص لا يلتزم بالنظام، خاصة لو كان هذا الشخص فتى مدللا تنزل خصلات شعره على عيونه، ولكن أحدا من هؤلاء لا يسكن في منطقة "الصف"، وحتى لو جاء واحد منهم إليها، فمن الصعب جدا أن تقابله في طابور العيش.
وفي زحام الحافلة الذاهبة إلى محطة حلوان قرر "محمود" أن يمنع الناس من التزاحم والتضارب، ولكنه وجد نفسه مدفوعا وسط طوفان من البشر إلى داخل الحافلة قبل أن يستطيع أن ينطق بكلمة واحدة.
وأثناء ركوبه المترو من محطة حلوان قرر أنه سيترك كرسيه فورا لأول سيدة لا تجد مكانا للجلوس، ولكنه كالعادة، لم يجد هو نفسه مكانا للجلوس وظل واقفا طوال الطريق.
وعند نزوله في محطته قابل ابن خالته، فوجد نفسه بعد أن حياه يقول في إصرار "و الله العظيم يا ابني الأمريكان خسروا في فيتنام"!. ونظر إليه ابن خالته وقد بدا عليه عدم الفهم، ثم ما لبث أن ضحك وهو يقول "ياه، إنت لسه فاكر!"
وفي الجامعة مرت المحاضرة تلو الأخرى و"محمود" يعد نفسه لطابور شراء الكتب، ويستعيد في عقله تلك الكلمات القاسية الموجعة التي سيوجهها لكل من تسول له نفسه الاستهانة بالطابور، والتي كان قد درب نفسه عليها صباحا وهو يرتدي ملابسه أمام المرآة، محاولا أن يكسب عينيه تلك النظرة الواثقة التي تجعل لكلامه وقعا قويا في نفس من يسمعه، بل إنه في لحظة ما قرر أن يرتدي النظارة السوداء البلاستيكية التي يمتلكها أخوه الصغير حتى تزيد من قوة شخصيته وتأثير كلماته، لكنه عدل عن فعل ذلك في اللحظة الأخيرة حين تذكر أن أصحاب أخيه ظلوا يسخرون منه أسبوعا حين ارتداها، وأخبرته جارتهم هازئة أنه أصبح يشبه "طه حسين"..
وأخيرا، جاءت فترة الراحة بين المحاضرة الثالثة والرابعة، وتوجه "محمود" إلى كشك بيع الكتب.
مضى وهو حائر بين الرهبة والعزم كأنه مقبل على امتحان، ولكن.. شيئا ما في داخله، شيئا هو الغريزة أو اللاوعي أو العقل الباطن -سمِّه ما شئت من أسماء- كان قد أعد نفسه تماما لهذا الموقف.. هذا الشيء الذي يستيقظ داخلنا أحيانا حين يعجز عقلنا الواعي عن المواجهة وتعييه دوائر الحيرة، ويقرر حينها أن يتصرف بشكل قد يدهش حتى صاحبه


ساحة النقاش