نعم، كان لا بد أن يقف الفتى في الطابور، شيء ما في نفس "محمود" جعل من هذا الأمر قضية، وقضية كبيرة جدا! كان لا بد أن ينتظر الفتى المزاحم دوره ويتحمل الحر والرطوبة والملل وتوبيخ أستاذ المادة حين يدخل إليه متأخرا عن المحاضرة مثل باقي الناس. كان لا بد أن ينصاع لمطالبة ذلك الصعيدي له بأن يتبع الأصول والنظام ويعود إلى آخر الطابور معتذرا هو وزميله شأنهما شأن أي إنسان عنده شيء من الدم في وجهه. وجهه الأبيض ذي القصة الذي يشبه وجوه نجوم الحلقات الأجنبية.
وشعر "محمود" بالدم يغلي في عروقه، ليس فقط غضبا مما حدث، ولكن غضبا على نفسه ذاتها.. كيف لم يرد؟ كيف "بلع لسانه" وامتنع عن أن يتدخل وينهر هو الآخر ذلك الفتى المزاحم؟ كيف وهو طالب الحقوق الذي يفترض فيه أن يصبح يوما ما محاميا يواجه القضاة وممثلي الادعاء وينصر الحق؟ ثم لماذا لم يتدخل سوى ذلك الشاب الصعيدي؟ هل كان هو الوحيد الذي أفلت من قبضة البلادة التي احتوت بقية الواقفين؟ هل تغير الناس.. أم تغيرت الأصول؟!
وفي زحام عربة المترو انحشر "محمود" كالعادة بين الواقفين، وانحشرت بجانبه أيضا سيدتان في الأربعين أو أكبر قليلا، ولأول مرة انتبه "محمود" إلى أن أحدا من الشباب الجالسين لم يحاول أن يقوم ويفسح لهما مكانا.. الوحيد الذي قام كان رجلا بدا من ملامحه أنه تخطى الستين استطاع بعد إلحاح أن يقنع أكبر السيدتين سنا بالجلوس مكانه بينما أخذ أحد الشباب الواقفين ينتظر نتيجة حوارهما في ترقب، لعله يقتنص الفرصة ويجلس هو مكان الرجل العجوز.
وعندما عاد "محمود" إلى منزله لم يهنأ له طعام ولم يفهم شيئا من كلام جاره وزميله الذي جاء يشرح له مادة القانون الدولي.. كان زميله قد انهمك في شرح "الأساليب السلمية لفض المنازعات" ولم يفهم "محمود" منه شيئا، ووجد نفسه فجأة يطلب منه التوقف عن الشرح ويقص عليه ما حدث في الطابور. وضحك جاره قائلا: "بقى ده كلام يا راجل؟ بقى اتنين فرافير زي دول يبلطجوا على كل الواقفين وماحدش يعرف يردهم؟ كان حقك شديت الواد ده من قفاه وجريته لآخر الطابور جر".
كان من الواضح أن جاره مثله مثل أخيه الأكبر يرى أن الشباب أصحاب الوجوه البيضاء والشعر "المسبسب" ما هم إلا "فرافير"، يكفي أن "يزعق الواحد فيهم" حتى يرتجعوا، وإذا لم يفعلوا، جرهم جرا إلى حيث يجب أن يكونوا.


ساحة النقاش