كان الشاب ربعة اكتست أكتافه بالشحم واللحم وبدت سواعده مفتولة قوية تحمل من العضلات أضعاف ما تحمله سواعد "عطوة" نجار منطقتهم الذي يتباهى بها في القهوة مساء كل يوم ويهزم بها شباب الحي في لعب "الرست".
لم يدر "محمود" ما الذي جعله يتذكر حديثا دار بينه وبين ابن خالته عن الصعايدة والأمريكان! إذ كان "محمود" يؤكد أنه لولا الأسلحة الحديثة والأموال الطائلة لما فاز الأمريكان في أية حرب، ولكن ابن خالته أجاب ساخرا "يا عم دول ناس بيفطروا لحمة والواحد منهم بيجريله ستة "ميل" في اليوم عشان يتريض وجتتهم قد الدواليب، يروح فين الصعيدي أبو فول وبصل قدام الواحد منهم!". كان رد "محمود" أنه لو كان هذا الكلام صحيحا لما خسر الأمريكان في فيتنام، ولكنه فوجئ بابن خالته يقول "خسروا في فيتنام؟! مين قال كده؟ إنت ماشفتش رامبو؟؟"، وعبثا حاول "محمود" أن يؤكد خسارة الأمريكان في فيتنام ولكن ابن خالته ظل متمسكا برأيه ومستشهدا على صحته بفيلم "رامبو"!
ووجد "محمود" نفسه مضطرا لأن يفكر في نوعية إفطار هذا الشاب الجالس على السور والمدافع عن صديقه المزاحم. كان الشاب ولا شك -بوجهه الأبيض وشعره الأسود الناعم المتهدل على عينيه والممتد خلف رأسه ليغطي عنقه وملابسه الغريبة الشكل- يشبه الأمريكان، وكان جسده الضخم يدل على أنه لا بد أن يأكل اللحم في الغذاء والعشاء وربما الإفطار أيضا، ويجري بهدف الرياضة "ستة ميل" في اليوم.
لم يكن هذا فقط ما دفع "محمود" لأن يتردد في الدفاع عن ذلك الصعيدي في مواجهة هذين الشابين، فالدفاع قد يتطور إلى شجار، والشجار معناه مزيد من التأخير عن المحاضرة وفقدان الدور في الطابور.
وبينما "محمود" غارق في أفكاره وتردده كان الشاب المزاحم قد اشترى الكتاب وأخذ يشق طريقه عائدا ومصطدما بأكتاف الواقفين مرة أخرى، بما فيهم كتف "محمود".
أخذ الشاب الصعيدي يضرب كفا بكف ويعلق بهمهمات غاضبة وهو يقول "أما غريبة والله، هي يعني فتونة؟هي الدنيا جرى فيها إيه؟"، وشاركه في ذلك معظم الواقفين في الطابور بحماسة زائدة، وكأنهم بحماستهم يعتذرون على أنهم تركوه يتكلم وحده دون أن يساندوه.
حتى الفتاة المحجبة السمراء الواقفة خلف "محمود" علقت بحماسة، ثم مالت على زميلتها الواقفة خلفها تهمس لها بأن الشاب المزاحم كان يشبه الممثل الذي ظهر في فيلم سهرة اليوم السابق، ثم تحول همس الفتاتين إلى ضحكات مكتومة.
ومضى الطابور بطيئا حتى وصل "محمود" أخيرا إلى شباك البيع. كانت المحاضرة قد فات موعدها منذ ربع ساعة حين نظر إليه البائع مستفسرا: "أيوه؟"
"كتاب القانون الدولي بتاع سنة...."
"خلص" قال البائع مقاطعا بسرعته المعهودة "فوت بكره تكون جات دفعة جديدة"
"خلص؟" سأل محمود بانكسار..
"أيوه، فوت بكره يا سيدي، اللي بعده"
ومضى "محمود" إلى المدرج وعقله يستعيد ذلك المشهد الذي جرى أمامه، حتى عندما كان أستاذ المادة يوبخه على التأخير وحتى وهو ينحشر في "الميكروباص" في طريقه إلى محطة المترو كان شيء واحد يدور بعقله: كان يجب أن يقف الفتى المتأمرك في الطابور


ساحة النقاش