كان الملل قد استبد بالواقفين في الطابور وأخذ كل منهم يحاول أن يشغل نفسه بشيء ينسيه الوقت الذي يمر، والمحاضرة التي اقترب موعدها، فمنهم من فتح كتابا أو صحيفة في يده، ومنهم من دخل في حديث بلا معنى مع الواقف أمامه أو خلفه، والغالبية أخذت تنظر بنصف اهتمام إلى الطلبة السائرين في فناء الحرم الجامعي.

لفت نظر "محمود" طالبان قادمان من يمينه يتحدثان ويضحكان بصوت مرتفع. توقف الطالبان بجانب السور الحديدي الذي يمتد أمام كشك لجنة المطبوعات والذي صنع ليرغم المشترين على الانتظام في الطابور قسرا. أشعل أحد الطالبين سيجارة له وأخرى لصاحبه وأخذا يكملان حديثهما، ثم -وبشكل عادي جدا- قفز أحدهما عابرا السور ومضى يشق طريقه إلى شباك البيع رأسا، وببساطة شديدة، وكأن هذا الطابور الطويل -الذي أخذ يصطدم بأكتاف من فيه واحدا تلو الآخر في طريقه- ليس له وجود!

وبسرعة وصل الطالب إلى شباك البيع، ووقف متجاهلا ببرود كل الواقفين خلفه، وطلب من البائع كتابا.

انتظر "محمود" أن يعترض البائع على هذا الخرق المتعمد للنظام ويطلب من الطالب العودة الى آخر الطابور واحترام النظام مثل باقي الواقفين، إلا أن البائع كان مشغولا بمحاسبة طالب آخر أمامه، إذ كان "يشخط" في الطالب الذي يحاسبه قائلا: "أنا قلت تسعة جنيه، تسعة! مديني إنت تلات ورقات بخمسة ليه؟ لأ أنا ما قلتش تلاتاشر جنيه إنت مابتسمعش؟ يلاّ اللي بعده"، ثم نظر البائع إلى الطالب المزاحم مستفسرا بآليته المعهودة عن الكتاب الذي يريده.

ومن مكان ما في مقدمة الطابور مد أحدهم يده ونقر بإصبعه على كتف الطالب المزاحم وقال "يا كابتن، مش أصول كده، ارجع ورا واستنى دورك"..

كان قائل هذه الكلمات شابا نحيلا أسمر يبدو من ملامحه أنه صعيدي الجذور.

نظر إليه "محمود" وشعر بشيء من الإعجاب والارتياح أيضا، فلا شك أن الشاب المزاحم سيعود إلى الوراء ويقف في الطابور ويتبع الأصول، ولكن "الكابتن" المزاحم لم يتحرك ولم يهتم حتى بأن يرد على الصعيدي، وإنما جاء الرد من صديقه الذي كان قد جلس على حافة السور.

"وإنت مالك إنت؟"، قالها ذلك الجالس على السور وهو يخلع منظاره الأسود ويهم بإلقاء سيجارته استعدادا لأن يتشاجر مع الصعيدي المعترض إذا تطلب الأمر الشجار.

"وأنا مالي يعني إيه، هو يعني صاحبك ده على راسه ريشة؟" صرخ الفتى ذو الملامح الصعيدية مزمجرا "ما يقف يستنى دوره زي ما وقفنا".

"لأ مش هيقف زي ما وقفتم إيه رأيك بقى؟"، أجاب الجالس على السور وقد ألقى سيجارته وظهر على ملامحه التحفز.

نظر "محمود" إلى الشاب الجالس على السور وهم بأن يرد، ولكن شيئا ما أوقفه، كان الشاب للوهلة الأولى -بنظارته السوداء وفانلته ذات الرسوم المليئة بالجماجم وبنطلونه الجينز الكالح- شابا يفترض أنه أحد هؤلاء "الخرعين" الذي طالما فهم من أخيه الكبير أنهم "مش حمل خبطة"، ولكن عندما تفرس فيه "محمود" لم يجد به تلك الهشاشة التي كان يتصورها.

  • Currently 15/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
5 تصويتات / 179 مشاهدة
نشرت فى 15 يونيو 2005 بواسطة anbaa1

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

647,317