|
انفصال |
|
![]() | |
|
1 وقف بإزائها حائرا.. وحدقت في وجهه مذعورة.. بالأمس كنت أخرى غير التي تحدثني الآن.. كنت شيئا أقل ما يقال عنه إنه شيء... أفعلت أشياء مخجلة وتفوهت بكلمات مشينة.. هل تمقتين الناس إلى هذا الحد؟! لم أعلم من قبل أن لديك هذه النزعات السادية وهذه المخاوف والضلالات السوداء في عقلك... تتلاعبين بالقلوب كورق اللعب ولا تبالين سوى بأيها يكون ولد الحظ.. 2 الأنفاس تتلاحق.. وذرات العرق تتكاثف فوق الجبهة العريضة.. ثمة زبد أبيض بين الشفتين.. والصدر يعلو ويهبط كأنه مرجل على النار.. أسمع أصوات دخول وخروج.. لا أدري من صار معى بالحجرة ومن غادرها.. هذه المرة الأولى التى أرى فيها شيئا كهذا.. وكأنه عاد عشرين سنة للوراء.. أرى قسمات الشباب في وجهه الذي تخطى الخمسين منذ حين.. الحمرة فوق الخدين والصفاء في العينين والنور.. والبسمة.. يبتسم!! الأنفاس تتباطأ.. ذرات العرق تتلاشى.. والصدر يحشرج كأنه ماكينة تنازع وتنازع قبل أن.. تهمد.. يهمد الصدر.. تتوقف الأنفاس.. يتبخر الزبد بين الشفتين.. ينطفئ النور في العينين و.. تبقى البسمة.. بينما تنفصل الروح.. وينصرف من بالحجرة تباعا.. واحدا في إثر الآخر. 3 بعد ما منحتني من نسيم الحلم ورحيق الأمل تأتي الآن لتمنحني تأشيرة الدخول إلى دار غير التي حلمتها.. وقلب غير الذي عشقته.. ترد إلي بضعة كروت.. وأوراق ميتة.. وخاتما من فضة.. أهذا كل ما لدي عندك؟ فلماذا إذن لا ترد إلي أيام عمري التي أنفقتها بإسراف عليك.. وسذاجتي التي شوهتها لي بعرضك هذا الفيلم عن دهامة الحياة وفحشها.. وبراءتي التي أجهزت عليها بتلك اللقطات المتلاحقة عن دنيا الحقائق الجهمة.. وآمالي التي مزقتها ونثرتها على صحرائك القاحلة دونما شفقة.. حدثتني بالأمس عن حلم.. وعن دار.. وعن حياة دموعها عسل وحزنها بلسم ما دمنا معا.. والآن!.. ثمة غسيل مخ فعلوه بك وتحاول أن تفعله الآن بي لتبدو بريئا في عيني، وما أنت والله بالبريء، وما أنت بالمسافر لأجل صالحي.. بل لست بالمسافر على الإطلاق.. إنما الراحلة أنا إلى ديار الحيرة.. ومنازل الغرباء.. 4 مواعيد الدواء مقدسة.. زيارات الطبيب منتظمة.. والميزان يشير إلى زيادة معقولة في الوزن تتناسب مع تقدم الأيام.. كوب اللبن صباحا ومساء وبيضتين على الإفطار.. كمية لا بأس بها من الكالسيوم.. لا داعي لارتداء الجيب الضيقة أو البنطال.. لا داعي للحركات العنيفة المرهقة.. سأتوقف قليلا عن لعب كرة الطايرة ريثما يشتاقني المدرب ويشتاقني اللاعبون.. رياضة المشي لا بأس بها.. يقول الطبيب إنها جيدة لمن في مثل حالتي.. يقول الطبيب أيضا ألا أفزع من آلام الظهر التي بدأت بالفعل أحسها في الآونة الأخيرة.. آلام المعدة وعسر الهضم.. لا داعي للتبرم من عدم التحكم في المثانة فهذا أمر طبيعي.. وسأعتاده.. يقول كذلك بأنه علي أن أبتعد عن الأدوية التي تهتف بالناس "هيت لكم" من مسكنات ونحوه.. لقد أصبحت حريصة جدا على صحتي ومزاجي.. أحدق في المرآة بالساعات.. وأفعل مثلما تفعل عارضات الأزياء غير أنني لا أستعرض أزيائي.. بل أستعرض أمام المرآة ذلك النتوء الذي ينمو تدريجيا.. وتلك المشية التي اكتسبتها مع نمو هذا الشيء بأحشائي.. يسمونها مشية البطة.. هذا الشيء.. الشيء.. ذكر.. أنثى.. لن أسأل.. فلتكن مفاجأة.. مفاج أه ه ه آه ه ه آلام الظهر.. فلأجلس قليلا.. فلأمشي قليلا.. آلام الظهر.. فلأجلس على المقعد.. على الأرض.. لكن آلام الظهر هذه.. فلأمشي قليلا.. آلام الظهر.. أتوجع.. أبكي.. فلأصرخ.. فليأتني أحدكم.. ركلات متتابعة.. هذا الشيء لا يجيد التصويب فأنا عضوة في الفريق ولست الكرة.. آآآ آلام الظهر هذه.. لماذا لا يستيقظ هذا الشيء إلا حين ينام الجميع.. إنها الثالثة ليلا أيها العفريت.. آلام الظهر الظهر.. آآآآآآآآآآه.. هذا صراخي.. واااااااااااااء.. هذا صراخه.. وهذه العيون نصف النائمة.. زوجي وأمي والطبيب البائس.. أين النتوء الذي لازمني تسعة أشهر.. كنت قد أحببته على ما صاحبه من آلام الظهر والمعدة وعسر الهضم.. كنت قد اعتدته.. قطعة من جسدي.. كنت.. قطعة مني أنت.. قطعوا مني حبلك السري فانفصلنا.. وأصبحت في سجل الأحياء المواليد عضوا جديد.. ازدادت الكثافة السكانية اليوم واحدا آخر فوق مليارات.. واحدا ما هو إلا قطعة مني وقد قررت الانفصال.. |
نشرت فى 15 يونيو 2005
بواسطة anbaa1
عدد زيارات الموقع
647,267



ساحة النقاش