جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
|
ابتسامة حائرة |
|
| |
 |
| |
|
|
|
النيل يمتدّ من الشرفة كخيط رفيع، وقد تراصّت حوله عشرات الحوانيت لمسافة بعيدة في تلك المنطقة الهادئة من القاهرة، رائحته عبّقَت الهواء. ثمة ثلاث فتيات انتقين أحلى ثياب العرس وتزيّنّ به.
إحداهنّ تتطلّع إليّ من خلف زجاج أحد الحوانيت، على شفتيها ارتسمت ابتسامة واسعة، ليست المرة الأولى التي أرى تلك الابتسامة. تساءلتُ في سرّي: أأحدّثها، أم أدفن وجهي بين راحتَيِ الصمت خائفاً؟ أصداء الماضي تطاردني، أنفاسي الحارّة تتردد بقوة وبسرعة مخيفة. كانت المرآة لاتزال في الركن كعادتها حوافها مهشَّمة، أرى فارساً يمتطي جواده تجرد من ثيابه. أتأمله بشعيراته النافرة وقد غزت الشعيرات البيضاء رأسه، أنظر خلفي أبحث عنه، فلا أجده.
تباً لتلك الشرفة المرتفعة!! أتحسّس خطواتي وسط عتمة الليل، اختبأتُ، خلف أحد أعمدة الإنارة أنظر إليها، لاتزال رائحة السلالم العطنة تقطن أنفاسي تجثم على صدري حتى إني لم ألحظ تلك العربة وسائقها المتهور الذي كاد يدهمني. كانت ابتسامتها لاتزال عالقة بين شفتيها، أتَرَانِي من تلك المسافة؟ لا، فالمسافة بعيدة. تطرّقتُ بعيني لأتفحصها، عجباً! كأني بالابتسامة تجوب كل أطرافها. "سارة لفساتين الزفاف" تطلّعتُ لتلك اللافتة. أتعمل هنا؟ لا، إنها صاحبته بلا شكّ، الشرفة أراها بوضوح، أقف بأسفلها كقزم صغير لا يتعدى عقلة الإصبع. ها هو الليل يوشك على الاحتضار، الْتَفَتُّ حولي، لا أحد يراني، أرهف السمع لصرير العربات، ثمة واحدة قادمة بالكاد أراها. أسرع الخطى والمسافة تقترب، وجّهت عيني في الناحية الأخرى حتى لا تصطدم بها.
للوهلة الأولى ارتعشَت أوصالي، وتصبب عرق غزير على وجنتي. "أيّ خدمة؟"
نفضَت عنّي تلك المرأة خوفي. آه، لعلّها أمها؛ إنها تشبهها لدرجة كبيرة. بأصابع مرتجفة أشرت إليها دون أن ألتفت.
"هذا كل ما معي" ورميت كل نقودي بين راحتيها وورقة تحمل عنواني. قالت ونظرات الحيرة في عينيها "دا كتير قوي!"
تركت معها حيرتها وخرجت مهرولاً تصطدم ساقي بالأخرى، صحتُ كطفل بعد أن تأكدتُ أني ابتعدتُ إلى حد أن أحداً لن يراني "هيه، هيه، هاتجوز" واحتلّت ابتسامة بلهاء وجهي بأكمله...
البيت مزدحم، أضواؤه صاخبة تعلن عن وجودها. ذهبتُ وأوصدتُ باب الشرفة بعنف..
ثمة طرقات على الباب، أسرعت داخل حجرتي وأوصدتُ خلفي الباب، تدحرجت بجسدي المكتظّ أسفل السرير. يترامى إلى سمعي صمت مطبِق، أخرجت جسدي واتجهت صوب الباب، ونظرت من ثقب صغير يتوسطه. ثمة امرأة تحمل في يدها ثوب زفاف، نفس المرأة التي رأيتُها من قبل...
قالت ونظرات الحيرة لازالت تسيطر عليها "فين العروسة؟" اخترقَت ضحكة عالية جدار الصمت سرعان ما تبعها ضحكات أخرى عديدة. ألمح ابتسامة سافرة على شفتَي عجوز بلهاء، تدحرجْتُ بجسدي أسفل السرير مرة أخرى وعلى شفتَيّ تردّد سؤال واحد: "تُرى لماذا يضحكون؟! لماذا؟!" |
ساحة النقاش