قرار الأمل

 
 
 

فتح عبد الله باب غرفته في الفندق المتواضع...

طالعَته صورة ولدَيه وزوجته يبتسمون للكاميرا في بلاهة، ولم يبدوا في منتهى البلاهة وقتها، عندما يفصله بينهم آلاف الكيلومترات وثماني ساعات فرق توقيت قد تبدو بلاهتهم محبَّبة......

فتح ثلاجة الغرفة وأخرج زجاجة عصير برتقال باردة، وجلس على الكرسيّ الكبير الذي كانت زوجته تطلق عليه (فوتييه)، وتنطقها بتعالي وحنكة كأنها فرنسية الأصل، كانت تبدو له مبتذَلة، ولكن شوقه لها غفر لها كل شيء...

أمسك زجاجة العصير بين أصابعه، وقرأ (made in usa) وفوقها اسم المشروب ثم (full with vitamin c)...

C!
[فيروس كبد وبائي، C، أنا آسف يا أستاذ عبد الله، إنت راجل مؤمن، وده قدر ربنا، حالتك متأخرة جداً، أنا مش من النوع اللي بيدّي المريض أمل زائف، لذا أقول لك إن العلاج في هذه المرحلة مستحيل، ربما إن جئتنا في مرحلة مبكّرة عندما كنت تشعر بالتعب والخمول وفقدان التركيز كنا ساعدناك، ولكن الآن، لقد فات الأوان، علاجك ليس عندنا، جرّب السفر للخارج، وربنا كبير وقادر على كل شيء، وممكن هُمّ هناك يقدروا يساعدوك...]

تذكّر في سخرية مريرة -مِنْ تلك التي تشعر بها وقت تملّ اليأس والبكاء والحزن- كيف تُكتَب كلمة "صُنع في مصر" بخطّ صغير وغير واضح في مكان خفيّ من المنتج كأنها عار، بينما هنا في أمريكا تجد كلمة (MADE IN USA) كبيرة, فخورة بنفسها تتوسط صدر المنتج في خطّ كبير ربما أكبر من اسم المنتج، كأنه -المُنتج- (يَتَمَحَّكُ) في الكلمة...

تأمّل ساعداه الهزيلتين وفخذاه اللذان قاربا على أن يتجاوز نحولهما نحول ساعديه، وقارن كل هذا ببطنه الكبير المنتفخ الذي أصبح يذكره بعمليات الاستسقاء...

شعر بالأسى لحاله، واليأس من وجود الأمل...

لقد قضى الآن في أمريكا أكثر من شهر يزور المستشفيات وكبار الأطباء، ولم يفيده أي طبيب ولم تقبله أي مستشفي لأن حالته لا علاج لها عنده، غداً يزور المستشفى الأخير، الأخير فعلاً، لأنه ملّ من الأمل...

تذكّر ولدَيه وشعر بشوق عارم نحوهما، كاد يبكي عندما تذكّر أن مستقبلهما الباهر الذي أعدّ له بقطعة أرض في 6 أكتوبر ورصيد معقول في البنك يكفي تكاليف زواجهما بعد أن يتخرجا، كل هذا سوف يتمّ من دونه، فأيامه معدودة في الدنيا، ومازال أمام هشام سنتين في كلية الطب ومازال أمام أخيه شريف 3 سنوات في الهندسة، ولكنه قد ترك له رصيداً من القيم والمبادئ أهم بكثير من النقود...

لقد ربّاهما جيّداً وكان دوماً يشعر بالفخر كلما قال له أحدهم: بسم الله ما شاء الله، أخلاق والله أولادك، والنعمة التربية...

عندها يبتسم ويفخر، هذا هو الفخر الحقّ، هذا هو الشعور الذي يساوي الدنيا بحالها...

رفع سماعة الهاتف وطلب من موظف الاستقبال "السنترال"، أملى على عامل السنترال رقم محمول "هشام"، وانتظر حتى جاءه الصوت الحبيب الذي خرج من السماعة ليتحول إلي كِيان دخاني لا يستطيع لمسه، ولكنه موجود...
- ألو...
- ألو، أيوه يا بابا، عملت إيه؟
- ماعملتش حاجة يا حبيبي..
- لسه مافيش حاجة جديدة؟
- لا يا حبيبي..
- طيب وهتعمل إيه؟
- هاجرّب مستشفى تانية بكره، وربنا يعمل اللي فيه الخير...
- وحشتني قوي يا بابا..
-........................................
-..........................................
-...........................................
-.............................................
- خد شريف عايز يكلّمك..
- ألو، ازيك يا بابا..
- ازيك يا شريف، عامل إيه يا حبيبي؟
- أنا تمام يا عم بابا، إنت عامل إيه؟ أخبار حريم أمريكا إيه؟؟ عاملين إيه؟
- كويّسين يا حبيبي، بيسلموا عليك..
- بصّ يا عم بابا، لما ترجعلنا بالسلامة إن شاء الله، عايزك تجيب لي بتاع 15 أو 20 عنوان لكام مُزَّة كده عشان أبقى أروح أخطبهم، بس عايز كلهم شعرهم أصفر، ويكونوا حلوين كده على ذوقك، ولاّ مش عايز حفيدك يبقى شعره أصفر وعينيه زرقا؟؟
- حاضر يا "شريف"...
- إيه يا عم بابا، إنت هتعمل دور في ليالي الحلمية من ورانا ولا إيه، فرفش كده وقضّيها، هتشوف بكره هترجعلنا وحتبقى زيّ الفُلّ، وساعتها يا بابا هنسافر أنا وإنت مخصوص عشان نخطب مُزَّة كده، وهتقول يا ريتني جبت كام عنوان معايا، بدل ما أقعد ألفّ على كعوب رجليّ..
- إن شاء الله يا حبيبي..
- طيّب خُد ماما معاك...
- أيوه يا حبيبتي...
-............................................................................
-............................................................................
-............................................................................
-............................................................................
-............................................................................
-............................................................................
(صوت بكاء عالٍ مفاجيء ثم صوت "هشام": وبعدين يا ماما، مش قلنا مافيش عياط؟؟)
- ألو يا بابا...
- أيوه يا دكتور، هاكلمكم بكره...
- طيب يا بابا ماتتأخرش علينا، وإن شاء الله خير...
- بإذن الله يا ابني، لا إله إلا الله...
- محمداً رسول الله يا بابا، سلام...

وضع السماعة وبكى بكاءً حاراً، بكاء الضائع الذي لا يعرف أيّ شيء...
ودون أن يشعر وجد نفسه يردّد : تعاليلي يا امّه...
وتعالى نحيبه، في ليل أصمّ، فلم يسمعه أحد...



***************
 

دخل عبد الله من باب الغرفة في حماس...

أخيراً وجد الأمل، فالمستشفى الأخير قبله، ونظر له طبيبها البارد قائلاً: نحن لا نَعِدُ بشيء، سوف نحاول قدر استطاعتنا، أحضر لنا 200 ألف دولار، وسوف ندخلك المستشفى ونضعك تحت الملاحظة، ونحاول تجربة أنواع العلاج عليك قديمها وحديثها، علّها تُحدِث نتيجة، في النهاية الأمر في يد الله، فليرحمنا جميعاً...

وهو في الطريق إلى الفندق أخذ يحسب المبلغ المطلوب، هو لا يملك نصفه، ولكن لو باع سيارته وسيارة زوجته، وباع الفيلا الصغيرة التي يسكنها مع عائلته وانتقل كي يعيش في شقتهم القديمة بالحيّ الشعبي الذي قضى فيه طفولته، وباع أرض 6 أكتوبر، ربما دبّر ثلاث أرباعه، مع بعض الاستدانة يمكنه أن يفعلها...

رفع سماعة الهاتف، ردّ عليه موظف الاستقبال، طلب منه أن يوصله "بالسنترال"...

(ولكن ما الذي يضمن لك الشفاء؟ صحيح كل شيء بيد الله، ولا يوجد شيء أكيد، وقد لا يزول المرض الخبيث من جسدك العجوز ويظلّ هناك، وعندها عندما ترجع إلى مصر سوف تجد نفسك عاجزاً عن إعالة عائلتك وأنت بلا رصيد في البنك ولا تملك حتى صحتك، وربما لن يستطيع "هشام" و"شريف" إكمال دراستهم، وهكذا تكون قد قضيت على مستقبلهما بيديك)

ردّ عليه عامل السنترال، أملاه رقم محمول "هشام"، وانتظر...

(ثم حتى إن شفيت، سوف تعود عاجزاً أيضاً، وحتى إن عدتَ بكامل صحتك، فهل يمكن أن توفّر لعائلتك المستقبل الكريم وأنت أيامك في الدنيا مازالت معدودة حتى بعد الشفاء؟)

جاء الخطّ، وها هو هاتف هشام يرنّ...

(كم تبقّى لك في هذه الدنيا؟؟ 10 سنوات؟؟20؟؟ هل من العدل أن تضيّع مستقبل أولادك وكل ما عملته لهم من أجل نفسك؟؟ هل تتركهم يعيشون في شقاء طوال عمرهم من أجل أن تعيش أنت عشر سنوات عجوزاً عاجزاًً؟؟

لقد اخترت الاختيار الخاطئ، لم يكُن لك أن تختار الأمل، فقرار الأمل ليس لك وليس لمَن هم في سنك، ماذا في هذه الدنيا الفانية يجعلك تتشبّث بها بهذا الشكل المريض، أنت في آخر أيامك وليس من العدل أبداً أن تقضى عليهم بهذا الشكل من أجل نفسك، لم تكُن يوماً أنانياً، كنت طوال عمرك شخصاً مؤمناً بقضاء الله، فماذا حدث لك؟؟)

- آلو...
- أيوه يا هشام..
- أيوه يا بابا، إيه الأخبار؟
- أنا جاي بكره يا هشام..
- ليه، المستشفى ماقبلتكش؟
- لا يا ابني، يلاّ.. قضاء وقدر، "قدّر الله وما شاء فعل"..
- طيب جرّب أي مستشفى ثانية، فيه واحد صاحبي عايش في...
- أنا بكره جاي يا هشام، خلاص، استنوني في المطار...
- يا بابا...

تك!!

ومعها وضع كل أمل له في الحياة، في أن يرى أولاده في الكوشة، وفي أن يحمل بين يديه حفيداً أصلع حتى...

جلس على سريره ومرّر يده في شعره الأشيَب، هنّأ نفسه على قراره الصحيح، ثم قام فتوضّأ وصلّى كثيراًً، ولم يشعر برغبة في الأكل...

دخل إلى سريره، واستلقى على ظهره بعدما أصبح النوم على بطنه مستحيلاً بسبب انتفاخها، صمت قليلاً، ثم انهمرت الدموع على وجهه، ودون أن يشعر وجد نفسه يردّد: تعاليلي يا امه...

وفي ليل أمريكا الأصمّ، لم يسمعه أحد، ولن يسمعه أحد ثانية، فقد كانت آخر مرة يبكي فيها...

وبدلا من أن تجيء والدته له، ذهب هو إليها...

  • Currently 30/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
10 تصويتات / 195 مشاهدة
نشرت فى 15 يونيو 2005 بواسطة anbaa1

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

647,324