جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
|
إشراقةُ شَمْس |
|
| |
 |
| |
|
|
|
تشير عقارب الساعة في مطار القاهرة الدولي إِلى الساعة الواحدة بعد منتصف الليلِ. تعلن الإِذاعة الخارجية للمطار عن وصول إحدى الرحلات الخارجية لشركة مصر للطيران. يهبِطُ الركاب من الطائرة في اشتياق ولوعة لمقابلة أحبابِهم بعد طول غياب. تمتلئ ساحة الانتظار الخارجية بأقارب الركاب الذين جاءوا لاستقبال ذويهم بكلِ ترحاب. تتصافح الأيدي، تقبل الخدود، تتسع الصدور للأحضان المليئة بالأشواق. تتحرك العربات تنقل أمتعة الركاب إِلى عرباتهم.
يقف في ساحة الانتظارِ، يحمل حقيبة يد واحدة، ينظر ويتلفت يمنة ويسرة عسى أن يجد أحداً في انتظاره، ولكن ما من أحد يعلم بقدومه. يقف هكذا لما يقرب من نصف الساعة، يتابع بابتسامة حائرة لقاءات الشوق واللهفة، يتيقن تماماً من عدم وجود أحد من ذويه، يتحرك ببطء وتكاسل، ينظر حوله بحثاً عن سيارة يستقلها، يفاجأ بأحد سائقي سيارات الأجرة -المرابطة في موقف سيارات المطار- يختطف حقيبته عنوة ويضعها في مؤخرة السيارة. لم يعترض الرجل، يستقل هذا الأخير السيارة في استسلام واستكانة، يسأله السائق عن وجهته فيجيب: "الهرم يا أسطى".
يصل السائق إلى المكان المطلوب في أقل من نصف الساعة وقبل أن يترك الراكب السيارة نظر في ساعة يده فإذا بها تشير إلى الساعة الواحدة، يسأل السائق عن الساعة ظناً منه أن ساعته توقفت لسبب أو لآخر، يرد السائق بأنها الواحدة بعد منتصف الليل، يتعجب الراكب، يدفع الأجرة مغادراً السيارة، يحمل حقيبته في يده. يأخذ في التفكير في أمر الساعة فقد وصلت رحلته في تمام الواحدة، فكيف تكون الساعة الآن الواحدة؟! يفكر طويلاً ثم يسأل المسافر أحد المارة عن أقرب محل تصليح ساعات، يرد الرجل المار بتعجب: - مفيش محلات هتبقى فاتحة دلوقتي.. استنى لحد الصبح وهتلاقي محل ساعاتي عند اليافطة اللي هناك دهيه.
سار المسافر مسرع الخطى متوجهاً إلى حيث أشار المار، وصل ليجد المحل مغلقاً بالفعل. يقرر الانتظار أمام المحل حتى الصباح، تمر ساعات طويلة وما من شيء يوحي بأن لهذا الليل صباح، يحدث الرجل نفسه: - هو إيه اللي بيحصل بالظبط؟ أنا خلاص هاتجنن.. أنا عاوز أنام.. بس لأ.. مش هانام قبل ماعرف ليه الساعة واقفة كده؟.
ترفض الشمس بإصرار أن تشرق، يزدحم الشارع بالمارة. عليه الانتظار حتى يفتح محل الساعاتي. بينما هو يحدث نفسه، يأتي الصيدلي الذي بجوار الساعاتي ليفتح أبواب الصيدلية فسأله المسافر عن ميعاد فتح هذا المحل فرد الصيدلي: -ده النهارده أجازه حضرتك.. ممكن تجيله بكره.
رد المسافر مستفسراً وهو يتمنى ألا تعود الإجابة التي يعرفها ولا يفهمها: -طيب هي الساعة معاك كام دلوقتي؟
ينظر الصيدلي في ساعته مجيباً بتلقائية بحتة: -الساعة حضرتك دلوقتي واحدة بعد نص الليل.
يرد الرجل مذهولاً: -شكراً.
يسير وقد شك أن عقله مختل. وفي غير تردد يحسم الموقف ويتخذ قراره بالسفر. يشير إلى أول سيارة أجرة تمر بجواره قائلاً في لهفة: -المطار يا أسطى.
يتوقف السائق، يقفز داخل السيارة بسرعة وكأنه يهرب من عزرائيل. يصل المطار ليجد عقارب الساعة تشير إلى الساعة الواحدة، يجري إلى موظف الاستقبال يطلب منه تأجيل موعد سفره لظرف طارئ، يحاول اقناع موظف الاستقبال بكل السبل، يوافق الموظف في النهاية علي تأجيل موعد السفر، يعطيه الموظف تذكرة سفر لرحلة الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، وأخبره أن الطائرة علي وشك أن تقلع، يجري الرجل إلى الأتوبيس الذي يقوده إلى الطائرة، يطوي سلالم الطائرة طياً، يجلس في مقعده يلتقط أنفاسه إلى جوار النافذة.
تتحرك عجلات الطائرة ثم تأخذ في الارتفاع عن الأرض رويداً رويداً. يرتفع فجأة صوت أحد أفراد طاقم الطائرة معلناً أن الطائرة خرجت الآن خارج المجال الجوي المصري، يستدعي إحدى المضيفات سائلاً إياها عن الوقت، فتؤكد أن الساعة الآن الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، لم يصدق ما قالته المضيفة فقال لها بفرحة اختلطت بالدهشة: -قلتِ الساعة كام؟.
فتعيد عليه ما قالت. ينزلق في مقعده ويروح في سبات عميق، يستيقظ بعد بضعة ساعات ليجد الشمس عادت لتشرق من جديد. |
ساحة النقاش