يَقِينُ الْخَطَر

 
 
 

(1)

خطوة تفصلك عن الباب الخارجي.. تراقبك طوابير طويلة من الأعين المستكينة أمام شباك التذاكر وأنت تقلّب صفحات جريدتك... لا تبحث عن مقالات سياسية، أخبار العالم، فيلم السهرة، الرياضة... تستقر عيناك على (حياة زوجية سعيدة بعد عاصفة عاطفية)... رغم أنك لا تؤمن بأبراج الحظ أو قراءة الطالع كنت تصدّق سعادتها بمفاجأة جديدة... يوم مناسب لمشروع جديد... ربح ماليّ قادم.

خطوتان... تواجهك الطرق المزدحمة دائماً... أمامك كتل متراصة من الأجساد الواهنة بالغة السمنة أو النحافة، تمرّ بينهم في صمت يقطعه صراخ طفل أو صيحة تنبيه: "الدكتور وصل."... تغيرْتَ كثيراً بعد التئام "السكسوكة" بالسوالف الطويلة... اليومَ يمرّ عام على رحيلك عن مدينتك... تحبها بأغنيات العبور... تغزوك كلماتها "القسمة والنصيب... لسه قدّامك سنين".

(2)

الباب الضيّق... تندفع خلفك الكتل المتراصة في موجات، غير عابئين، شتائم ولكزات التمرجيّ العجوز، تملأ أنفك رائحة المطهرات النفّاذة، يختلط بروائحهم روث... بصل... لبن... كيروسين، تتكرر لتختلف مع ثبات الشكوى، "مانمتش من ضرسي طول الليل!".

نفس الهالات السوداء حول عينيك لتقلبك في الفراش كل ليلة، فهي تنام وتتمدد داخل عقلك. تمد يدك تبحث عنها، تعصرها بين ذراعيك وسادتك الخالية. للمرة الألف تقرر... تردَّدْتَ... تجرّأت... طلبت نصف الرقم... وضعت السماعة... كنت تنتظر أي مناسبة... تعطي فرصة لأناملك لتداعب أرقام هاتفها... "ازَّيكْ؟... كل سنة وانت..."
نبرات تشبه صوتها تخبرك بألاّ تكرر المحاولة.

لم يعد يرعبك ذَوُو الأعين الصفراء، البطون الممتلئة... كنت تخشاهم وتتجنب الاقتراب منهم... توقف النزف بقطع القطن الصغيرة... ولا يتوقف دعاؤهم لك: "ربنا يرزقك ويقرّب لك البعيد!"

تفصلك مسافة يقطعها القطار من المغيب للفجر عن شوارع بها مشيت... يدها في يدك أو حول ذراعك... تتفرجان على "الفترينات"... تسيران أسفل مظلات بهيجة برتقالية.. حمراء.. الأشجار "البانسينا" تفترش قماش البستان بأوراقها الساقطة... تحتفلان كل عام باكتمال دور من الأفرع الأفقية لشجرة عيد الميلاد الهرمية... تجلس بجوارك... يصفو الهواء... لا يتنفسه سواكما... وأمامك في المطعم حولكما المرايا تُظهِر أصدقاءك، أصدقاءها...

(3)

مع عودة "البهايم السارحة" تستوقفك وجوه لا تتغير خشونة ملامحها، "عايزة سنان بنتي لون فستان الفرح، عقبال فرحك، هنستنَّاك من طلعة النهار"... تنام مبكراً، يوقظ نقيق الضفادع ومواء القطط أطيافَها الكامنة، تحنّ إليها... ستُطيل مكالماتك القليلة المقتضبة... ستؤلّف أحلاماً تتخيّل تحقيقها... ستغير ما صمَّمْتَ عليه لترضيها... لكنك تناءيت عن أهلك، أصدقائك، أصدقائها... تلسعك نظراتهم لأصبع يدك اليمنى الخالي.

كل صباح تزيل صبغة القهوة والشاي والسجائر الملتصقة بأسنانك الصفراء... لا تعلم كم شربت أو دخّنت... ترتدي ملابسك بسرعة... تعاف معدتك الإفطار... تخرج بسرعة إلى الباب الخارجي للوحدة الصحية... تشتري جرائد لا تقرؤها... تبحث عن المربع الخاصّ بأبراج الحظ... تتلصّص على أخبارها...

  • Currently 45/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
15 تصويتات / 167 مشاهدة
نشرت فى 15 يونيو 2005 بواسطة anbaa1

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

647,267