|
أصبح الدش الآن في كل مكان ومن ليس لديه دش لديه وصلة.
وبهذا أصبحنا جميعا مواطنين "إنترناشونال", نشاهد كل مخلفات البلاد بدلا من أن نستفيد من خدمة سرعة نقل الأنباء مثلا, أو المقدرة على تغيير المعتقدات البالية بواسطة مشاهدة إعلام هادف. وكل من عنده دش له حكايات معاه. فالدش يدش علينا صباحا ومساء كل ما هو جيد وقبيح, وكثيرا ما يشكو الكبار من التأثير السيئ للدش على الصغار. وقد يكون ذلك صحيحا، ولكن هل يكون الكبار دائما على حق والصغار مذنبين, فلنعرف إجابة السؤال في محكمتنا.
اليوم يقف أمام محكمتنا الوالد "عامر" والوالدة "سمية" شاكين من أن أولادهم يتابعون ما يقدمه الدش بشراهة تجلعهم لا يركزون في مذاكرتهم.
القاضي: استدع المدعين. الحاجب: السيد "عامر" والسيدة "سمية".
(يدخل عامر وسمية، وهما زوجان مصريان جعلهما مرور الزمن "يبهتوا" على بعض من طول العشرة, فأصبحا يشبهان بعضهما البعض بشدة, بحيث إنك تعرف فور رؤيتهما أنهما زوجان)
القاضي (موجها حديثه للاثنين): إيه شكوتكم؟
تندفع "سمية" متحدثة بالطبع غير تاركة المجال لـ"عامر" ليفتح فمه..
سمية: أنا جيت عشان أشتكي من أولاده يا حضرة القاضي.. القاضي: أولاده! هم أولادك ولا أولاده؟ عامر (بابتسامة ساخرة وصغيرة): ولادها لما يكونوا شطار وحلوين, وأولادي لما يعملوا أي غلطة. سمية (بلهجة عملية): بعيد عن الكلام ده كله, أنا ما بقتش عارفه أربي الأولاد دول, رمضان دخل علينا والبهوات مش عايزين يتنقلوا من قدام الدش. القاضي: يعني مين اللي جاب لهم الدش ده، مش حضراتكم؟ عامر: في الحقيقة احنا جبنا الدش لما سمعنا عن موضوع القنوات التعليمية، وفكرنا إن الأولاد هيستفيدوا منه.. القاضي: جميل جدا, وياترى استفادوا فعلا؟ عامر: في الحقيقة ماعرفش.. سمية: طبعا ما يعرفش هو له دعوة بحاجة, هو بس كل اللي عليه يجري على قنوات الرياضة عشان يتفرج على إعادة المصارعة بدل ما يسأل العيال عن مذاكرتهم.. عامر (بابتسامة ساخرة صغيرة يبدو أنها أصبحت من سماته عند مواجهة سمية): يعني يا حبيبتي ما أنا كل ما أدخل البيت ألاقيكِ قاعدة تتفرجي على برنامج أوبرا، وسايبه العيال في أوضتهم يعملوا ما بدالهم ولا بيذاكروا ولا حاجة.. سمية: يعني أنا هافضل رقيب لا ينام عليهم, ما أنا كمان عايزه وقت لنفسي.. عامر: يعني أنا ماليش نفس يبقى لي وقت لنفسي. القاضي: أظن إن مش هنا المكان المناسب عشان جدال من النوع ده, ممكن ترجعوا لموضوعكم الرئيسي؟ سمية: ما احنا ماخرجناش عن الموضوع, الدش ده لما جبناه كان عشان منفعة الأولاد, لكن دلوقتي احنا مش عارفين نتفرج على اللي احنا عايزينه... قصدي مش عارفين نسيطر عليهم عشان يقللوا من فرجتهم عليه, طول الوقت بيغيروا من قناة لقناة واحنا حيرانين معاهم. القاضي: بسيطة, اطفي التلفزيون.. عامر (ضاحكا): ماتقدرش طبعا. ماهي كمان بتتابع المسلسل اللي على القناة دي, والبرنامج ده، والمذيعة دي لابسة إيه النهاردة و.. و.. سمية (بلهجة حادة): "عامر" ماتخلينيش أتكلم قدام الناس.. القاضي (وقد بدا الآن مستمتعا بشجارهم): لأ اتكلمي سمية: البيه يقعد يزعق في العيال عشان ما يتفرجوش على الأغاني إياها، ويادوبك العيال يمشوا من قدام التلفزيون، يقلل الصوت على "روبي" و"لوسي" واللى من عينتهم, وأدخل عليه يقول لي شوفي قلة الأدب بتاعة البنات بتوع الأيام دي, فين أيام "أم كلثوم". عامر (غاضبا): اسكتي يا "سمية" أحسن لك, هو أنا جبت الدش ده ودفعت تمنه عشان سيادتك والعيال تشوفوا اللي إنتم عايزينه وأقعد أنا زي الكرسي.. سمية: المفروض تتفرج على الحاجات اللي أنا وأنت نوافق عليها مع بعض.. عامر: ماشي. بس أنا مش عايز أتفرج على برامج الموضة ولا الحوار مع الممثلين والمغنيين.. سمية: يا سلااام! القاضي: إيه الجمال ده, سيادتكم من شوية عملتم مساكين وقلتم احنا جايبين الدش عشان العيال ودراستهم، ودلوقتي بتتخانقوا مين فيكم يتفرج على إيه.. ينظر القاضي إلى الحاجب قائلا: استدع أولادهم فورا.. الحاجب: "سها" و"سامر" و"سمير". (يدخل الثلاثة يعلو وجوههم الضيق) القاضي: ممكن أعرف رأي كل واحد فيكم في مشكلة الدش.. سها (وهي طالبة في الثانوية العامة): الدش ده ماجابليناش غير وجع الدماغ, قال إيه بابا وماما جايبينه عشان نسمع عليه الدروس التعليمية. يعنى هو أنا مش بشر, ازاي أروح المدرسة الصبح, أخرج منها على الدرس وأرجع البيت أتفرج على البرامج التعليمية. أنا لا عايزة الدش ولا حاجة, أنا عايزاهم بس يسيبوني أنام, بعد ما أرجع من يوم الدراسة الطويل. القاضي: وإنت يا "سامر" إيه رأيك؟ سامر (طالب إعدادية): أنا بقى هاتجنن من أبويا وأمي, أتفرج على عملية جراحية بيذيعوها على الهوا ماما تقول "اقلب من على القرف ده" أجيب النشرة على الجزيرة, بابا يقول "هم في الشغل وكمان هم في البيت, غيّر يا ابني" ما بيسكتوش هم الاتنين إلا لما أجيب على قناة الكارتون ولما يزهقوا من الفرجة على الكارتون بابا يقول لي "سامر إنت مافيش وراك مذاكرة يا بابا" وبالرغم من إنها كانت أجازة نص السنة إلا إني ريحته وسبت له التلفزيون وقمت بأدبي. القاضي: وإنت يا "سمير" عايز تقول حاجة. سمير (تلميذ في خامسة ابتدائي): الدش ده بصراحة قلل حريتنا, بابا وماما زمان كانوا بيناموا بدري واحنا نسهر براحتنا مع بعض. اللي يتفرج على الفيلم اللي بيحبه, واللي يتكلم في التليفون مع أصحابه, واللي يلعب على الكمبيوتر. لكن دلوقتي بيسهروا لغاية الفجر. وماحدش فينا عارف يتفرج على اللي هو عايزه ولا يعمل اللي هو عايزه. ياريت تشيلوا الدش ده من عندنا. القاضي: بعد ما سمعت آراءكم جميعا, واندهشت من موقف أولادكم, حكمت بالآتي:
يتم تشفير القنوات التعليمية حتى لا تتضايق "سها" من إلحاحكم عليها بالمذاكرة, ويتم تشفير قنوات الأغاني حتى لا تتضايق مدام "سمية" من الأستاذ "عامر", ويتم تشفير قنوات الأفلام حتى لا ينزعج "عامر" من تجاهل مدام "سمية", وبعد كل هذه التشفيرات ستبقى القنوات التي يفضلها "سامر" وستضطر الأسرة للنوم مبكرا, حتى لا يتضايق "سمير" وبذلك نرضي جميع الأطراف.
|
ساحة النقاش