يوميات سيبرمان
تحالف قوى الشعب

 
 

الحياة مملة..
 

لا أتذكر من قائلها لكن بالتأكيد قالها أحدهم منذ قديم الأزل.. الأحلام تتبخر شيئاً فشيئاً.. ويصبح التكرار وجهي العملة.. صفحات الدفتر تطوى.. مشاكل الأجهزة كما هي لم تتغير.. ونفس الأشياء التي يفعلها الزبائن كل يوم ثابتة.. ولم يعد ينقصك سوى ذراعي "جاكيت" بذلة وترتديهما على ساعديك لتصبح موظفاً عتيقاً في مجاهل أرشيف.. تفكر أن تمشي فوق يديك.. أو أن تفتعل (خناقة) مع زبون وتجعل (وشه شوارع).. أو أن تقتل صاحب "السيبر".. كلها حلول لذيذة ومستحبة لكنها لن يدوم تأثيرها أكبر من وقتها.. تنتبه على رنين الساعة والتي أعلنت الثالثة بعد منتصف الليل والصمت الخارجي مطبق بشكل لا يوصف.. و"السيبر" خال إلا من ثلاثة زبائن أعرفهم من قبل والذين أسميهم زبائن الليل.. وزبون الليل هو الزبون الهادئ الذي ينوي عمل شيء معين يستحق من خلاله أن يأتي في هذا الوقت المتأخر أو يكون هارباً من بيته أو من مشكلة ما..

وسواء هذا أو ذاك فالهدوء هو عنوانه.. وسط هذا الصمت والسكون سمعت صوتاً غريباً داخل "السيبر".. تركت القاعة واتجهت إلى الصالة المؤدية إلى البوابة الخارجية.. لا شيء.. بحثت في دورة المياه.. لا شيء.. عدت مرة أخرى إلى القاعة وبدأت أعتقد إما أنني جننت أو أن الوحدة لها صوت لا يسمعه إلا قليل.. هنا وجدته يسير في بطء في القاعة متأملاً كل شيء بريشه الجميل الذي يحتوي على أكثر من لون.. ديك هو.. لكن المؤكد أنه جريء ومحب للمغامرة.. لم ينتبه له الزبائن الثلاثة لأنه لم يصدر أدنى صوت كأنه لا يريد أن يخدش حياء هذا الصمت..


 قررت أن أسأل نفسي كالعادة (أهلا بيك يا افندم.. أخبار حضرتك وأهلك إيه).. أصدر صوتاً ضئيلاً يبدو أنه ينم على التأفف.. ولم يسمعه أحد لأن كل زبون كان يضع السماعة على أذنه.. اتجه إلى أحد الأجهزة ووقف خلف المقعد.. (خير ما اخترت يا افندم..جهاز ممتاز).. خطف نظرة سريعة إلى الوراء من طراز (طيب تعالَ ارفعني على الكرسي).. فكرت أن أتركه (يتمشى شويه) فهو غير مؤذٍ.. والزبائن لم تلحظ وجوده..


هنا فعل الشيء الذي كنت أخشاه... لم ينس أصله.. فقد أطلق صياحاً عالياً كالذي يطلقه عند الفجر.. وجدت الزبائن الثلاثة يتلفتون حولهم فجأة ثم ينظرون إلى الأعلى.. ونظر أحدهم إلى ساعة يده ليتأكد أن الفجر لم يحن بعد.. عاد اثنان منهم إلى عملهما بعد أن فشلا في معرفة كنه هذا الصوت بينما كان الثالث متوتراً بعض الشيء.. فقد زاد من بحثه عن مصدر الصوت حتى وجد الديك واقفاً في القاعة معه.. فانتفض من مكانه بحركة عنيفة وألقى السماعة من على أذنيه وجرى إلى الجهة المقابلة من القاعة.. (إيه ده ياباشا).. أجبته في بساطة واقتضاب (ده ديك أخطأ الطريق).. هنا أطلق الديك صيحة أخرى فانتبه الآخران هذه المرة ووقع بصرهما عليه ونظرا إليّ نظرة على غرار (خير إن شاء الله).. قلت وقد بدأت أوقن أن هذا الديك سوف يسبب لي القلق خاصة أن صوته يمكن أن يزعج الجيران أيضاً.. قلت بحماس: (إيديكو معايا يا رجالة).


وجدت الملل على وجوههم ونظرا لي نظرة بمعنى (دي شغلتك يا بيه).. أما الثالث فقال: (شيل البتاع ده علشان أعرف أشتغل تاني).. فكرت أنني لن أستطيع وحدي السيطرة على هذا الشيء.. وحتى إن نجحت فلن يتركني أمسكه دون أن يجعل سكان البيت يقتلونني.. وهؤلاء الزبائن من النوع الثقيل الذي لا يريد أن يتعاون.. لذلك فكرت في حل سريع.. فقلت للثلاثة: (لكل واحد منكم نصف ساعة هدية لو أمسكنا بهذا الديك).. بدءوا ينظرون إلى بعضهم نظرات سريعة فهي فرصة على طبق من ذهب.. قام الاثنان وانضم إليهما الثالث وبدأنا نتحرك على شكل نصف دائرة.. وأحس الأحمق بأنه محاصر فبدأ يعزف "الأوركسترا" الكاملة.. صياح متواصل وهياج وتذكرت ساعتها موقفاً مشابهاً حدث في أحد الملاعب المصرية عندما نزل ديك إلى أرض الملعب، وأخذ اللاعبون يجرون وراءه لمدة كبيرة حتى أمسكوه.. حمدت الله أننا لسنا في ملعب..


وبالفعل تمكن أحدهم من أن يطبق عليه ويرفعه بانتصار غريب لم يكن ينقصه سوى أن أصفق في حماس، وتكون ملحمة من ملاحم (تليماتش)..

فجأة دخل علينا رجل بجلباب.. سمعته يقول بصعوبة من وسط صياح الديك: (إنت جيت هنا.. هو لازم كل يوم أجيبك من حته شكل).. استلم الديك من الزبون فقلت: (جرى إيه يا حاج).. مش تلم ديكك.. أنا كنت هاوديه الأحداث دلوقتي).. أخذ يقاوم يد الرجل وصياحه مستمر..


وجلس الزبائن وهم يشعرون برضا نفس ليس لأن الديك ذهب وإنما لحصولهم على نصف ساعة إضافية.. جلست مرة أخرى على (الماستر).. وقلت في قرارة نفسي إن الملل ليس بهذا السوء

  • Currently 49/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
16 تصويتات / 185 مشاهدة
نشرت فى 5 يونيو 2005 بواسطة anbaa1

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

647,248