أطس وشي

 
 

وأخيرا، وبفضل الله وحده استطعت أن أصل لأول الحارة على الشارع العمومي، وقفزت داخل أول أتوبيس وجدته ذاهباً للجامعة، وعبثاً حاولت اختراق طريقي داخل ذلك الدغل البشريّ، محاولا أن أجد مكانا صالحا للوقوف، فلم أجد هذا المكان إلاّ عند سلّم النزول، فكنت كصبيّ الأسانسير، أفتح الباب وأخرج من الأتوبيس لينزل السادة الركاب، ولا يغلَق إلاّ بعد أن أدخل الأتوبيس كي يواصل تقدمه.

ثم لاحظت أن الركاب يختلسون لي النظر من حين لآخر، ولم تلبث تلك الاختلاسات أن تحولت إلى نظرات طويلة، كما لو كنت نجماً سينمائياً وسيماً، فقلت: "ياواد يمكن حلاوتك زايدة حتة النهاردة". تجرَّأت وخطوت بحذر إلى جوار هذا الأسد الجاثم على كرسي القيادة والذي لم يكن يسمح لأحد بأن يقترب من منطقة نفوذه، أو يقف بالقرب من عرينه، وحاولت أن أخطف نظرة سريعة إلى وجهي في المرآة، يمكن أعرف أنزّل خصلة نافرة من شعري تزيد من وسامتي ،ولكنني عرفت سبب اهتمام الركاب بي إلى هذا الحد، فقد وجدت خطوطاً بيضاء شاحبة متعرجة تخترق وجهي طولاً وعرضاً، فقد تفاعل الصابون مع بشرتي الدهنية وأنتجا تلك الفجيعة الجغرافية، وأمام تلك المصيبة التي ألمّت بي، نسيت أنني مازلت أقف بجوار بيت الأسد الذي أفاقني من ذهولي بزئيره قائلا: "والنبي يابا شوية كده، مابحبش حد يقف جنبي وأنا باسوق." عدت أدراجي مرة أخرى دون أن أنبس ببنت شفة، وبدأت قطرات العرق تعبّر عن مدى حرجي، وشعرت بأن تلك المجاري البيضاء الساكنة التي تعلو وجهي قد عادت لها الحياة مرة أخرى، ولا أصف لكم مقدار ما شعرت به من حرقان وأكلان، وكأن عشرات بل مئات الإبر توغز وجهي...

أخذت أتهرش كمن أصيب بأحد الأمراض الجلدية المزمنة، وأُصبت بالهلع حين نظرت إلى أظافري فوجدتها محشوّة بويفر أبيض غير صالح للاستخدام الآدمي أو غير الآدمي.

وعند أقرب محطة خرجت من الأتوبيس ولم أفكر أن أدخل فيه مرة أخرى، على الرغم من أن محطة الجامعة لم تجىء بعد. سرت وأنا مطرق الرأس بقدر المستطاع حتى لا يرى الناس وجهي المغطَّى بكريم الأساس هذا... وإذا بي أجد خرطوما تتدفق منه المياه تدفقاً، وشعرت أنه جدول من جداول الجنة، وهرولت نحو القهوجي الذي كان يصطبح بإغراق الشارع بالمياه وأنا أقول: "الماء... الماء"، وما إن وصلت إليه حتى قلت له "ممكن أطس وشّي". فوافق الرجل على الفور، ولن أستطيع أن أصف لكم مقدار الراحة النفسية التي شعرت بها حين أحسست أني غسلت وجهي من ذلك الوباء الذي كنت أعانيه، وشكرت الطبيب، أقصد القهوجي، المعالج.

أكملت سيري إلى الجامعة كأنّ شيئا لم يكن، واستقبلت الامتحان بشيء من الثقة والاطمئنان، وانهمكت في الحل، ووجدت أعضاء اللجنة يختلسون النظر إليّ من وقت لآخَر. ووجدتني أقول: أهذه النظرات نظرات إعجاب بالمجتهد أم نفس النظرات التي كان ينظر بها إليّ ركاب الأتوبيس؟ وخشيت أن تكون الإجابة في الرأي الثاني وأن تلك المجاري البيضاء لم تختفِ تماماً وطفحَت على وجهي مرة أخرى، خاصة وأنني قد بدأت أشعر بنفس الأعراض المرضية التي التي كنت أشعر بها في الأتوبيس من أكلان وحرقان وشكشكة. حاولت أن أستأذن من مراقب اللجنة كي أذهب إلى الحمام و"أطس وشي" فقط، فرفض قبل مضي ساعة على الأقل... شعرت بأن حلقي بدأ يجف بسبب وساوس الشك. ووجدت عمّ منصور يمر بالمياه المثلَّجة على الطلاب وطلبت منه أن يصب لي كوباً أطفئ به ظمئي، وما إن رفعت المياه إلى فمي حتى وجدت نظرات أعضاء اللجنة قد تحولت من اختلاسات إلى نظرات طويلة مسدَّدة نحوي مباشرة، فوجدتني -وسط دهشة الحاضرين وفزع الزميلة التي كانت تجلس بجواري- وجدت نفسي"أطس وشي".

  • Currently 50/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
16 تصويتات / 210 مشاهدة
نشرت فى 5 يونيو 2005 بواسطة anbaa1

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

647,263