كيف دخلت "العِلْمانية" العالم الإسلامي؟
دخلت العلمانية مصر مع حملة "نابليون بونابرت"، وقد أشار إليها "الجبرتي" في الجزء المخصص للحملة الفرنسية على مصر وأحداثها -بعبارات تدور حول معنى العلمانية وإن لم تذكر اللفظة صراحة- أما أول من استخدم هذا المصطلح "العلمانية" فهو "إلياس بقطر" في معجم عربي فرنسي من تأليفه سنة 1827 م. وأدخل الخديوي "إسماعيل" القانون الفرنسي سنة 1883م، وكان هذا الخديوي مفتونا بالغرب، وكان أمله أن يجعل من مصر قطعة من أوروبا.
وتشير المراجع التاريخية عن نشأة العلمانية في الوطن العربي، أن بوادر التبشير بها بدأت على أيدي مفكرين من المسلمين والمسيحيين ممن هاجروا إلى أوروبا لطلب العلم في القرن التاسع عشر وعادوا إلى بلدانهم مقلدين للغرب ذائبين في حضارته داعين إلى قيمه، وقد ساعدهم على ذلك أن العالم العربي كان يعج بالتخلف والابتعاد عن الدين الإسلامي العظيم، حيث إن كثيرا من العادات القبلية والقيم الجاهلية ألبست لباس الإسلام وجُعِلت جزءا من الإسلام وصارت تعكس وجها مشوها لهذا الدين، في وقت كان فيه معظم البلدان العربية يعيش تحت سيطرة واستغلال الاحتلال الأجنبي. واقترن هذا التوجه ببزوغ تيار تغريبي جديد في العالم العربي والإسلامي استغل مؤسسات الطباعة ووسائل الإعلام المقروء والمسموع وكان من ثماره ظهور صحف ومجلات وأحزاب وجمعيات علنية وسرية. وكان أبرز ما طرحه هذا التيار فكرة "فصل الدين عن السياسة" على غرار ما سبق في العالم الغربي.
العِلْمانية الجزئية والعِلْمانية الشاملة
ويبدو أن تصادم هذه العلمانية مع طبيعة الدين الإسلامي وعدم وجود إقبال بين العرب والمسلمين على هذه "اللادينية" دفع البعض للتمييز بين نوعين من العلمانية في محاولة لكسر المعارضة لها هما: العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة.
1 - العِلْمانية الجزئية: هي رؤية جزئية للواقع لا تتعامل مع الأبعاد الكلية والمعرفية، ومن ثم لا تتسم بالشمول، وتذهب هذه الرؤية إلى وجوب فصل الدين عن عالم السياسة، وربما الاقتصاد وهو ما يُعبر عنه بعبارة "فصل الدين عن الدولة"، ومثل هذه الرؤية الجزئية تلزم الصمت حيال المجالات الأخرى من الحياة، ولا تنكر وجود مطلقات أو كليات أخلاقية أو وجود ميتافيزيقا وماورائيات "غيبيات يعني"، ولهذا يسمونها "العلمانية الأخلاقية" أو "العلمانية الإنسانية"!.
2 - العِلْمانية الشاملة: وهي رؤية شاملة للواقع تحاول بكل صرامة تحييد علاقة الدين والقيم المطلقة والغيبيات بكل مجالات الحياة، ويتفرع عن هذه الرؤية نظريات ترتكز على البعد المادي للكون وأن المعرفة المادية هي المصدر الوحيد للأخلاق وأن الإنسان يغلب عليه الطابع المادي لا الروحي، ويطلق عليها أيضاً "العلمانية الطبيعية المادية" نسبة للمادة والطبيعة.
وتوضيحا لهذا التقسيم، يرى د. "وحيد عبد المجيد" الباحث المصري أن العلمانية "في الغرب" ليست أيديولوجية -منهج عمل- وإنما مجرد موقف جزئي يتعلق بالمجالات غير المرتبطة بالشئون الدينية.
ويميز د. "وحيد عبد المجيد" بين "العلمانية اللادينية" -التي تنفي الدين لصالح سلطان العقل- وبين "العلمانية" التي نحت منحى وسيطًا، حيث فصلت بين مؤسسات الكنيسة ومؤسسات الدولة مع الحفاظ على حرية الكنائس والمؤسسات الدينية في ممارسة أنشطتها


ساحة النقاش