الدستور من المهد إلى اللحد:

عندما كانت فكرة الدستور في مهدها، كان الغرض من وضعها هو انتزاع حرية الشعب من بين براثن الحكم المطلق ووضع حد للحكم المطلق وتنظيم الحريات العامة، ثم تطور مدلوله بعد ذلك في القرن العشرين ليشير إلى تنظيم الحياة السياسية وتحديد العلاقة بين الحكام والمحكومين من ناحية، وبين سلطات الدولة التنفيذية والتشريعية والقضائية من ناحية أخرى. ولكن ما لبث هذا المفهوم الديمقراطي أن لقي مصرعه على يد الحكومات غير الديمقراطية التي استخدمته كأداة لتطبيق حكمها المطلق. لذلك فلا عجب أن نجد في بعض الدول، المطالبة بتغيير دستور معمول به في هذا البلد أو ذاك، أو بتعديل نصوصه أو بعض البنود فيه، ليصير أكثر ديمقراطية.

ما الدستور الديمقراطي؟

بوجه عام الدستور هو مجموعة من القواعد القانونية الأساسية التي توضح ما يلي:

1- الأسس التي يقوم عليها نظام الحكم في الدولة، كالعدالة والحرية والمساواة وتختلف النظم من حيث درجة التزامها بهذه المبادئ، فالنظم التي تأخذ بأولوية مبدأ الحرية يتم فيها تطبيق العدالة والمساواة بما لا يتعارض مع الحرية التي تمثل المبدأ الأساسي لمثل هذه النظم.

2- من الذي يحكم؟ وكيف يحكم؟ وهذا هو السؤال المحوري للعملية السياسية في أي مجمتع، ومهمة إجابة هذا السؤال تلقى على عاتق الدستور، وذلك بتحديد الشروط الأساسية التي يجب أن تتوافر فيمن يتولى مهمة الحكم والأسلوب الذي يجب اتباعه لتعيينه لتولي هذه المهمة. فعلى سبيل المثال إن كانت الإجابة على السؤال "من الذي يحكم؟" هي الملك، هنا يأتي دور الدستور في تحديد الشروط التي يجب أن تتوافر في شخص ما حتى يكون ملكا، ونفس الإجابة بالنسبة للرئيس. أما بالنسبة للشق الثاني من السؤال فالدستور يحدد أيضا كيفية ممارسة هذا الحاكم -سواء كان ملكا أو رئيسا- لمهام حكمه، كالمحافظة على سلامة الوطن والمواطن، وعقد المعاهدات، وإعلان الحرب وغيرها من المهام الأساسية.

3- واجبات المحكوم وكيفية أدائه لهذه الواجبات وحقوقه وضمانات حصوله عليها. هذه الواجبات يتمثل بعضها في التصويت والانتخابات، وأداء الضرائب، والتجنيد الإجباري، وغيرها. وفي ذات الوقت يتضمن حريات وحقوق المحكوم والضمانات اللازمة لممارسة هذه الحقوق والحريات كالحق في الحياة والأمن والتملك، وحرية التعبير وإبداء الرأي وغيرها.

كما يوجد عدد من الخصائص العامة تشترك فيها جميع الدساتير الديمقراطية، أي أن هذه الخصائص تعتبر مقياس درجة الديمقراطية في أي بلد، أينما تواجدت وجدت الديمقراطية. أهم هذه الخصائص هي:

1- لا سيادة -سواء لقلة أو لفرد- على الشعب، أي أن السلطة هنا تكون للشعب وذلك من منطلق أحكام الدستور، والكلمة الأولى والأخيرة هنا تكون للدستور بما ينص عليه من أحكام وشرائع وعقائد يجب مراعاتها.

2- سيطرة أحكام القانون وأبرز مظاهر هذا المبدأ هو "علو الدستور" بمعنى أنه لا يوجد نص أو قاعدة أعلى منه أو تساويه في المرتبة، ومن ثم لا يجوز مخالفة أحكامه. وهذا المبدأ له ثلاثة مدلولات:
أ- أن أية سلطة أو هيئة لا تستطيع أن تصدر قرارا فرديا إلا في الحدود التي بيّنها الدستور.
ب - أن كل قرار عام يجب أن يكون موضع احترام من السلطة التي أصدرته.
جـ- أن القيود التي تفرضها الدولة على حريات الأفراد ونشاطهم لا يمكن تقريرها إلا بواسطة قانون يوافق عليه ممثلو الأمة في البرلمان.

3- عدم الجمع بين السلطات وتحقيق التوازن فيما بينها؛ فالدستور الديمقراطي يقوم على عدم تركيز السلطة في هيئة واحدة وذلك عن طريق توزيع السلطة وتحقيق التوازن بين سلطة التشريع والتنفيذ والرقابة.

  • Currently 95/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
31 تصويتات / 182 مشاهدة
نشرت فى 3 يونيو 2005 بواسطة anbaa1

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

647,015