|
ماذا تعني لك كلمة الوطن؟ النيل والأهرامات وأبو الهول والأراضي المزروعة والكورة والفول والطعمية؟ البشر والناس وطعم الحياة المخلوط بحب وألفة؟ ولاّ حاجة تانية طيب تعرف يعني إيه كلمة مواطن؟ يعني واجبات لازم تقوم بها تجاه بلدك وحقوق لازم تعطيها بلدك لك "سيبك بقى من إن موضوع الواجبات والحقوق ده بيحصل ولا لأ المهم ده المفروض" طيب تعرف بقى يعني إيه كلمة مواطنة اللي لو فتحت أي جريدة أو مجلة سياسية لازم وحتما ولا بد تجد الكلمة دي محتلة معظم الصفحات والسطور... برضه ما تعرفش؟.. طيب اتفضل معانا..
المواطنة.. كلمة لا وجود لها في المعجم!
لو كنت قارئا "شاطر" وقرأت كلمة "مواطنة" في أية جريدة وضايقك أنك لا تعرف معناها حتما ستذهب إلى "الكرتونة" التي تحتفظ فيها بكتب الدراسة القديمة وستنفض التراب من عليها حتى تعثر على "المعجم الوجيز" ذلك المعجم الذي تسلمناه ونحن في الصف الأول الثانوي دون أن نعرف أهميته.. وستنقر كل صفحات المعجم وأنت تبحث "مواطنة.. مواطنة.. مواطنة" وسيغلب حمارك وحصانك أيضا ولن تجد في المعجم كله أية إشارة للكلمة! ستجد "وطن- توطن- واطن- الوطن" لكن لن تجد "مواطنة" أبدا ولا أحد يعرف هل غياب المصطلح في المعاجم العربية يأتي انعكاسا لغياب المصطلح ذاته في حياتنا العربية أم أن الأمر ليس أكثر من مصادفة!
إلا أن المواطنة ليست كذلك في الكتابات الغربية فهي محل دراسة وجدل وتطبيق أيضا فاللغة الفرنسية تعرف المواطنة بـ"المساهمة في حكم دولة ما على نحو مباشر أو غير مباشر" وفي اللغة الإنجليزية فإن المواطنة"Citizenship" تستخدم للإشارة إلى أن الفرد يعد مواطنا لمجرد أنه يعيش في رحاب دولة معينة، أو ينتمي إليها ويخلص لها ومن ثم يحظى بالحماية.
وعلى هذا يمكن فهم المواطنة على أنها "العضوية الكاملة والمتساوية في المجتمع بما يترتب عليها من حقوق وواجبات وهو ما يعني أن كافة أبناء الشعب الذين يعيشون في بلد واحد جميعا سواء ولا يمكن التمييز بينهم لأية اعتبارات مستندة إلى الدين أو النوع أو اللون أو المستوى الاقتصادي أو الانتماء السياسي أو الموقف الفكري" "يعني إنت زيك زي ابن أي أكبر مسئول في الدولة في الحقوق والواجبات مش في التانية وبس!"
إضاءات وزوايا مختلفة
ولأن الموضوع كبير ويمس حقوقك كـ"مواطن" و"بني آدم" فإن المواطنة يمكن أن ننظر لها ونتأملها من أكثر من زاوية مختلفة:
لا يمكن للمواطنة أن تكون لفظة ذات معنى حقيقي وفعال إلا إذا مورست في مجتمع يتصف بـ"الديمقراطية" ولعل هذا يفسر غياب معنى للمصطلح في المعاجم العربية!
ولأن المواطنة –كما عرفنا- في أبسط صورها هي حقوق وواجبات يرتبها القانون لأفراد المجتمع ويضمن قيامهم به دون تمييز، فإن ممارسة حقوق وواجبات المواطنة تعتبر دعامة أساسية لصنع الديمقراطية في المجتمع وفي ذات الوقت فإنه لا يمكن ممارسة حقوق المواطنة إلا إذا كنت في مجتمع ديمقراطي "تقريبا العلاقة بين الديمقراطية والمواطنة مثل العلاقة بين البيضة والدجاجة!" خاصة أن الديمقراطية تحتاج إلى"مواطنين" لهم رأي يقولونه وفعل يقومون به ولا يمكن أن تقوم على "رعايا" يسمعون الكلام ويطيعون الأوامر دون فهم أو نقاش.
وهكذا تتضح العلاقة المتداخلة بشدة بين "الديمقراطية" و"المواطنة" إذ تقوم كل منهما على عدة قيم مشتركة مثل التعدد والتنوع والاختلاف والمساواة والحرية وسيادة القانون والمشاركة في صنع القرار.
ولأن المواطنة قائمة على اتجاهين "حقوق - واجبات" وليست اتجاها واحدا فحسب فإن أركانها تكتمل بعدة التزامات أخرى تتمثل في السعي إلى معرفة الحقوق، والمثابرة في طلب الحصول عليها، والتشبث بها، والدفاع عنها، فضلا عن ممارستها في إطار الصالح العام.
وعلى هذا ظهر في السنوات الأخيرة بعض المصطلحات المنشقة من مصطلح "المواطنة" مثل "المواطنة الفاعلة" وهي تصف النشاط الذي يستهدف القضاء على مظاهر التمييز ضد المرأة أو بعض جماعات الأقلية في المجتمع أو غيرهما ممن قد يستهدفهما البعض لأية أسباب اجتماعية أو سياسية.
العلاقة بين الشعب والدولة هي التي يطلق عليها علاقة المواطنة، والذي يحدد – قانونا- العلاقة بين المواطن والدولة هو "قانون الجنسية" الذي يستند إلى مبادئ وأسس من القانون الدولي أو القانون الداخلي للبلد، وهو على هذا يختلف من بلد إلى آخر.
والمواطن يكون مواطنا من مواطني الدولة بناء على أحد معيارين: - المولد: وهو ما يعني أن من يولد على أرض الدولة يأخذ جنسيتها بغض النظر عن جنسية أمه وأبيه، مثل الولايات المتحدة الأمريكية فكل من يولد على الأرض الأمريكية فهو أمريكي بصرف النظر عن جنسية والديه.
- الدم: وهو أن الدولة لا تعطي الجنسية لكل من يولد على أراضيها، إنما تعطيها فقط لأبناء من يحملون جنسيتها، مثل مصر التي كانت تعطي الجنسية المصرية لأي طفل يولد من أبوين مصريين أو من أب مصري فقط متزوج من أجنبية قبل أن يعطي القضاء ذات الحق لأي طفل يولد من أم مصرية حتى لو كانت متزوجة بأجنبي.
عندما توفي الممثل المخضرم"أنتوني كوين" عام 2001 خرجت الصحف العالمية تنعي رحيل "المواطن العالمي" باعتباره الممثل الوحيد -تقريبا- الذي جسد -عبر سلسة طويلة من الأفلام- أحلام وطموحات المواطن في شتى أنحاء العالم على اختلاف الثقافات وتباين الاتجاهات الاجتماعية.
لفظ "المواطن العالمي" هذا أصبح واحدا من أهم المصطلحات التي ظهرت في الفترة الأخيرة باعتبار أن الهم العالمي واحد؛ ومن ثم فلا بد من أن يكون هناك مواطن عالمي.
وكان لحركات الهجرة واسعة المدى وانتقال العمالة من بلد لآخر وما تبع ذلك من اختلاط للثقافات وكذلك انقسام الدول إلى دويلات صغيرة وراء اهتزاز معنى "المواطنة" التقليدي والعمل على البحث عن معان جديدة تلائم هذه التطورات، وبخاصة أن المواطنة قد واجهت العديد من الصعوبات في المجتمعات الجديدة ولعل أبلغ مثال على ذلك ما شهدته فرنسا العام الماضي بخصوص منع الحجاب وباقي الرموز الدينية في مدارسها العامة وهو ما أعطى إيحاء للبعض بأن هناك ثمة تمييز ضد المسلمين.
المواطنة ومصر
يتفق الكثير من الباحثين على أن مفهوم" المواطنة" بدأ في الظهور في مصر في عصر محمد على الذي يصنفه الكثيرون أنه عصر بناء الدولة الحديثة، وأن المصطلح قد شاع استخدامه وتطبيقه أكثر في ظل حركات التحرر الوطني التي نادت باستقلال مصر خاصة أن في هذه المرحلة امتزج بشكل حقيقي، الهلال مع الصليب، وخرجت النساء للمشاركة في صفوف الحركة الوطنية مما أوجد مساحة من الأفكار والقيم والأهداف المشتركة التي صارت ثابتة في العقل المصري، وصار لكلمة "مواطن مصري" قيمة ومعنى ودلالات ثرية كافية.
إلا أنه مؤخرا ظهر بعض الاتجاهات المتشددة التي أصابت مفهوم المواطنة في مصر ببعض التشويش مثل الاتجاه الذي يرى بأن الهوية الإسلامية تسبق الانتماء لمصر أو الاتجاه الآخر الذي يرى أن الهوية الإسلامية تتعارض مع الانتماء العربي الإسلامي.
ولعل المفكر البارز "طارق البشري" فند هذه الدعاوى وتلك عندما قال "إن القول بالمصرية لا يعني التخلي عن الإسلام أو القبطية فالمصري يستصحب إسلامه إن كان مسلما وقبطيته إن كان قبطيا حال الدخول للوعاء الأعم الحاكم للعلاقة وتحديد الحقوق. وليس مطلوبا من المسلم أو القبطي أن يفقد دينه حتى يكون مصريا". |
ساحة النقاش