رخصة الباشوات !!!

 

 
 

مع تباشير الصباح الأولى، أيقظت والدي على عجل، وطلبت منه سرعة ارتداء ملابسه حتى لا نتأخر.. وكيف نتأخر؟!! إنها اللحظة التي اشتقت إليها كثيرا.. لحظة استخراج رخصة قيادة تحمل اسمي..

 لا تتعجبوا، لقد وعدني والدي حقا، بعد أن أستخرج رخصة القيادة، أن يشتري لي سيارة جديدة، بدلا من سيارتنا الـ 128 العتيقة، والتي عانيت من"مقالبها" السخيفة كثيرا.

ذهبنا من فورنا، أنا وأبي إلى إدارة المرور التابعين لها، ووصلنا في تمام الساعة التاسعة صباحا. لم أتعجب كثيرا من هذا الطابور"المخيف" من البشر، وكأن هموم الناس جميعا قد خلت إلا من استخراج الرخصة. والحمد لله، كنت مذاكرا جيدا محطات رحلتي الموعودة؛ من اختبار الإشارات ومرورا بالامتحان النظري حتى الوصول إلى اختبار القيادة العملي.

ولكي أقتل الوقت في شيء مفيد، أخذت أسترجع سريعا كتيب الإشارات، وأنا متقد الحماس، ملتهب العزم، في انتظار دوري.
وفي هذه اللحظة بعينها، خرج رجل من الحجرة المخصصة لأداء امتحان الإشارات بالإدارة، وهو يضرب كفا على كف قائلا: "حسبي الله ونعم الوكيل..منكم لله.. ده أنا بقالي أكتر من سنة.. ومش عارف حتى أنجح في الإشارات".

كسر صوت أمين الشرطة حاجز الصمت والرعب الذي لف المكان عقب خروج الرجل "المفتري"، مناديا اسمي. ولكي أكون صريحا، اسما شبيها لاسمي بدرجة كبيرة، فكررت على مسامعه الاسم بطريقة صحيحة، فامتعض وزم شفتيه قائلا: "مفيش فرق.. كله زي بعضه.. يالا بسرعة.. الباشا مستني".

دخلت على ضابط الشرطة "الباشا"، وجبيني كله يتصبب عرقا، وأحسست برعدة تسري في أطرافي، رغم أنني كنت واثقا من أن "الواسطة" التي أملكها لها "شنة ورنة"، وستفي بالغرض حتما.
سألني الضابط عن خمس علامات، جاوبت على اثنتين منها بالكاد، ثم قال لي بالحرف الواحد: "هايل.. كفاية كده.. روح بقى وافتح كبوت العربية للمهندس"

انتفض جسمي كله فرحا، ثم لم ألبث أن ذهبت إلى المهندس، ومحطتي التالية.

أخذ المهندس يسألني أسئلة نظرية منها: "الدينامو بيعمل إيه؟" و"الزيت لازمته إيه؟".

بصراحة شديدة، لم أستطع أن أجيب على أي سؤال من هذه الأسئلة، فأنا لا أعرف وظيفة الدينامو أو الزيت، ولماذا أعرف؟!! المهم كيفية قيادة السيارة، ولا شيء آخر.

وأخيرا قال لي المهندس: "معلهش.. مفيش مشكلة.. روح وجهز العربية لامتحان السواقة".

وعلى الفور، ذهبت مسرعا قبل أن يغير المهندس رأيه، إلى ساحة الامتحان العملي.

وجدت الساحة غاصة بالسيارات والبشر، فانتظرت دوري كالعادة، ووالدي بجانبي يشد من أزري ويطمئنني "بالواسطة" الكبيرة، التي ستفتح أمامنا جميع الأبواب الموصدة.

شد انتباهي شاب في مستهل العمر، وأمين الشرطة يضع له الأقماع البلاستيكية كي يمر من خلالها الشاب بسيارته. وأقسم لكم أن عرض السيارة أكبر بكثير من المسافة الموضوعة بين الأقماع. وعبثا حاول الشاب أن يفهم هذه "الحقيقة العلمية" لأمين الشرطة، حتى ضاق الأمين ذرعا وقال بصوته الجهوري: "أنا مش فاهم انتم جايين تهرجوا ولا إيه؟! كل واحد جاي يمتحن عايز الأقماع تتحط على مزاجه.. والله عال.. عدي يا مواطن لو عايز تنجح.. وإلا تقصر المشوار وتيجي بعد 3 شهور.. يالا احنا مش فاضيين".

امتثل الشاب للأمر الواقع، وحاول باستماتة أن يمر من بين الأقماع، ولكن هيهات فقد أوقع أحد الأقماع. وعندئذ، كتب الأمين أمام خانة الشاب بدفتره "غير مقبول". ثم هبط الشاب من سيارته وهو يلعن أمين الشرطة ويدعو عليه.

وأخيرا، جاء دوري، حاولت قدر الإمكان أن ألم أطراف شجاعتي، ولكن هذا المشهد الأخير كان أكبر مما تتحمله أعصابي "المرهفة". والغريب، أنني وجدت أمين الشرطة "الشهم "، يبعد الأقماع عن بعضهما البعض لمسافة كبيرة، وهو يقول: "اتفضل يا باشا.. على مهلك.. متخفش".

وبدأت أمشي بالسيارة لمسافة قصيرة، ثم لم ألبث حتى أوقعت أول قمع، وأعقبه وقوع الثاني، فالثالث، حتى كاد قلبي ينخلع من مكانه.

ثم هبطت من السيارة، وأنا متأكد أنني لن أنجح مهما حدث. وبادرني أمين الشرطة، وقبل أن أنطق بأي كلمة قائلا: "مبروك يا باشا.. ألف مبروك.. روح اتصور وتعالى بعد 10 دقائق علشان تستلم الرخصة".

بيني وبينكم، قلت لنفسي: "والله البلد لسه بخير".

وللحديث بقية مع ......

يوميات "عربية" في الشوارع المصرية.

  • Currently 115/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
38 تصويتات / 294 مشاهدة
نشرت فى 22 مايو 2005 بواسطة anbaa1

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

647,194