|
الواد سيد الفران |
|
|
استيقظت من النوم كالعادة على صياح أولاد حارتنا وهم يتبادلون الشتائم اليومية، وأصوات جمهور عم حسن "يستعطفونه" ويستجدونه أن يملأ قدورهم بالفول والسلاطات و"الذى منه".. وعلى الرغم من أن الرجل كان يقوم بكافة واجباته على أتم وجه في ملء الأطباق بسرعة ونشاط إلا أن مطالب الشعب لا تكف أبدا.. ربنا يكون في عونك يا عم حسن! نهضت من السرير وأنا أقول عبارتي المأثورة " اصطبحنا وصبح الملك لله ".. غسلت وجهي واستعددت ليوم جديد افتتحه بطبق الفول المعتاد.. ولكني اكتشفت أن العِيش قد نفد من البيت.. أخذت خمسين قرشا من المحفظة، وانطلقت لفوري إلى الفرن قبل أن يجف بترول معدتي من بئــر-أقصد قِدْرِة- عم حسن.. ونظرا لأن شارعنا تتفجر فيه ينابيع الصرف الصحي معظم أوقات السنة فقد تعود أهل الحارة أن يسيروا كلاعبات الباليه على تلك الجزر الصخرية المتناثرة وسط أنهار المجاري.. وبفضل تلك الرياضة اليومية أصبحت أم فتحي "بتاعة الجرجير والبقدونس" أكثر رشاقة من لاعبات "الأيروبكس".. طال وقوفنا أمام الفرن ونحن كما نحن بلاحراك، وكأننا تماثيل متقنة الصنع قد تراصت وراء بعضها، وبدأت الغربان تحوم فوق رؤوسنا تستطلع الأمر.. حاولت أن أعطي الموقف شيئا من الحياة فنظرت خلفي استعطف هذا الشخص السمين الذي يقف خلفي أن يرحمني من سياط أنفاسه التي "عَلِّمت" (لا مؤاخذة يا جماعة!) على "قفايا".. ففوجئت به يحاول النظر من فوق كتفي يستطلع أخبار الفرن من الداخل.. وقال بصوت رفيع للغاية خرج من حنجرة غالبا ما ضاقت بفعل تراكم اللحم والشحم حولها: "همَّ بيعملوا إيه جوه؟".. وكنت حينما أسمع تلك العبارة أحاول أن أختلس النظر مرة أخرى إلى الرجل، وكأنما هو يحاول أن يبرر تطفل أنفاسه على "قفـ.." (بلاش!)، على مؤخرة رقبتي، فيقول دون أن يحول نظره ناحيتي: "همّ بيعملوا إيه جوه؟" المفروض أن توزيع الخبز الحكومي المدعم يتم بإشراف من وزارة الداخلية.. لازم يبقى فيه عسكري بدأت نظرات الحب والإعجاب تتراشق بين طابور الرجال وطابور النساء ونتج عن ذلك نتيجة اجتماعية أخرى تمثلت في عقد قران شاب على فتاة وكنت أنا واحدا من الشهود الذين وقعوا على العقد.. ولا أذكر كم مضى من الوقت حتى وصلت لأول الصف.. ولكن كل ما لفت نظري أن الخلاف قد دب بين العروسين ووقع الطلاق بحجة أن الزوج "قرف من عيشة مراته"!!!!!!! أخرجت النقود من جيبي وما كدت أعطيها للبائع حتى سمعت ارتطاما قويا بالأرض، فنظرت خلفي لأجد الرجل السمين ملقى بلا حراك.. في المستشفى عرفت من التقرير الطبي أن السبب هبوط حاد في الدورة الدموية بسبب كثرة الوقوف، كاد أن يودي بحياة المريض الذي كان يعاني من السمنة المفرطة.. بعد أن اطمأننت على حالة الرجل ذهبت لشراء الخبز الذي سوف أتعشى به.. وعدت أدراجي مرة لأنضم لصفوف الشعب المصري.. أؤدي دوري القومي في شراء العيش مثلي مثل أي مواطن عادي.. بعد أن ضاعت فرصتي الماسية في الوصول لأول الطابور.. | |
نشرت فى 22 مايو 2005
بواسطة anbaa1
عدد زيارات الموقع
647,173



ساحة النقاش