سنة أولى صيام (2)

 
من وحي الطفولة
 

*ليلة أول يوم رمضان
*قبل الذهاب إلى النوم

- ماما: يالا يا حمادة، نام بدري يا بابا علشان ما تتعبنيش في الصحيان. عارف لو ما صحيتش معايا هسيبك وتصوم من غير سحور. إنت حر.
- حاضر ياماما، بس تبقي تقولي لي أصحى علشان السحور.

عملية إيقاظي عملية صعبة جدا. لأجلها يجري في البيت تعبئة القوى العامة من الزعيق والشخط، للمحايلة، للتهديد بقطع المصروف.....إلخ. فأنا نومي ثقيل جدا وفي الغالب لا أصحو إلا بعد أن يفيض الكيل بماما وبابا واخواتي فأجد نفسي مسحوبا من قدمي لحرف السرير وقد لا أفيق إلا إذا وقعت على الأرض.

ما حدث الليلة كان معجزة بكل المقاييس. صحيت بسهولة قبل أخي.... لأ وكمان ساعدت ماما في عملية سحبه من رجليه.

وعلى مائدة السحور وجدت كل ما لذّ وطاب من أصناف الفول والجبنة والعسل و....والزبادي. كان همي الوحيد إني أرشّق معدتي بالمسامير. قصدي أملاها بالفول علشان محسش بالجوع. ولكن بعد انتهائي من الأكل اكتشفت الهم الثاني وهو إني أفسّح مكان في معدتي للميه علشان محسش بالعطش. و...مدفع الإمسااااااك ..... اضرااااب

*في المدرسة
*الصبح قبل الطابور

لما دخلت المدرسة وجدت زملائي (سنة أولى) قد التفوا حول بعضهم في مجموعات يتهامسون خشية أن يسمعهم تلاميذ الصفوف الأكبر منهم. أنا مش عارف هم بيتريقوا علينا ليه ويضحكوا على اللي بنعمله واللي ما بنعملهوش؟!

........هـــمـــــس.......
- عمرو: ماما قالت لي خذ ساندويتشات علشان تفطر في الفسحة.
- أحمد: لأ..أنا بقى فطران من الصبح. بس ماما قالت لي تبقى تاكل كويس في الفسحة علشان تفطر معانا.
- حمادة: أنا بقى صــــايم... اتسحرت امبارح وهصوم عادي زي الكبار.

كنت طاااير من الفرحة وأنا باقولها. زمايلي بقى منهم اللي بص لي من فوق لتحت وهو غيران.
- باسم: أنا كده كده كنت هاصوم. بس السحور فاتنا النهاردة.
- حمادة: يانهار أبيض.. يعني باباك ومامتك فطرانين كمان؟!!

ومنهم اللي اتلّموا عليّ يسألوني عن أعراض الصيام اللي حاسس بيها. سيبوكم من ده كله.. أحلى حاجة إني حسيت إني زي العيا.. الأولاد بتوع سنة رابعة وخامسة مش عارف ليه.

*بيت نينة

من عادتنا إننا نتجمع كلنا أول يوم رمضان. احنا وخالاتي وأخوالي ونفطر عند نينة.
استقبلوني بالأحضان...
- إيه ده؟ والله كبرت يا حمادة.
- صايم يا حبيبي?
- آه ياخالتو
- طيب مش ممكن تخليه النهاردة نص يوم، علشان ما تتعبش؟
- لأ... أنا هكمل
وانهالت عليّ البوسات.

أنا ماكنتش أصغر واحد. زياد ابن خالتو أصغر مني. لأ... ده لسه بيبي خالص. أما هيثم بيه ابن خالتو الثانية فأنا مش عارف هو ليه حاسس بنفسه كده؟ يمكن علشان طويل حبتين؟! المهم.. لا أنا كنت طايقه ولا هو كمان. بالذات بعد ما عرف إن أنا صايم زيه.

بدأت أسمع أصوات في بطني... صوتها غريب. مش زي اللي باسمعها لما أأربع الميه. وبدأ الصوت يعلى فعرفت إني جعان.

أصلي عمري ما سيبتني أجوع.

في الوقت ده كانت كل واحدة من خالاتي وبناتهم وماما وأختي الكبيرة بتعمل حاجة. واحدة بتحشي ورق عنب والثانية كرنب والثالثة بتقوّر كوسة وآية بنت خالو بتزعق في العيال الصغيرة.

أنا قلت أسلّي نفسي وأتفرج عليهم. كنت باقعد مع كل واحدة من خالاتي وأشوف هي بتعمل إيه. حاولت أطنش إحساسي بالجوع بس المشكلة إن كل ما أسمع أصوات تقليب المعالق في الحلل على النار وتخبيط الحلل في بعضها، صوت بطني يعلى لحد ما صرّخ في الآخر. كل ده والعصر لسه ماأذّنش. قلت ياواد روح نام. فضلت أتقلب يمين شمال وما عرفتش أنام.

قمت ورحت لأختي الكبيرة أسألها وهي منهمكة في تنقية الرز.
باقي كام ساعة ع الفطار؟
لسه بدري
ردت عليّ من غير ماترفع عينيها من على الصينية.

لما رحت المطبخ أشوف الدنيا ماشية إزاي، نينة اصطادتني
- خذ يا حمادة.... إدي طبق السيريلاك ده لخالتو علشان تأكل زياد.

مسكت الطبق... كان دافي وشكله حلو والمعلقة عاملة فيه دواير لذيذة.... وأنا بحب السيريلاك. فكرت آخذ لحسة وأهي تصبيرة بس قلت لنفسي: حرام عليك ربنا شايفك. اتكسفت أوي من نفسي ورحت رفعت عيني من على الطبق وبصيت قدامي ولا كأني كنت ناوي أعمل حاجة غلط.

بطني عمالة تصوصو... لأ.. دي بتكاكي وكمان شوية هتهوهو.
سألت ماما:
- هو باقي قد إيه ع الفطار ياماما؟
- لسه شوية ياحمادة
- هو رمضان شهر كامل؟
- آه يا حبيبي.

آآآآه يــــاني.... خلاص هانت. يعني مش باقي لي من رمضان صيام إلا عشرتين وتسعة ونص نهار... وبس.

  • Currently 75/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
25 تصويتات / 200 مشاهدة
نشرت فى 19 مايو 2005 بواسطة anbaa1

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

647,015