يوميات زوجة صائم لأول مرة

 
 

اليوم هو الجمعة أول أيام رمضان... ولقد نوى زوجي والنية لله- أن يصوم هذا اليوم... أقصد أن يصوم شهر رمضان الكريم... وذلك لأول مرة.. ولا أخفي عليكم فقد بلغ من العمر خمسة وثلاثين عاما كاملة، ولنا طفلة جميلة... وهو يعمل مدرسا بإحدى المدارس الخاصة...

المهم فقد نظرت إليه نظرة ريبة وعدم تصديق وتمتمت بعبارات من قبيل (طب يا سيدي أما نشوف) و(أسمع كلامك أصدقك أشوف أمورك أستعجب)... وذلك لأنه كل سنة يعلن علينا إقباله على خوض تلك التجربة ولأن زوجي العزيز مدمن... أقصد... مدخن شره... وعصبي لدرجة الجنون، فمن أول يوم له –كصائم- يستيقظ من النوم وهو صائم، والله العظيم صائم، فمنذ أذان الفجر وحتى أذان الظهر وهو صائم... تلك الفترة هي فترة نومه في الإجازة، ولكن لا يهم فهو يرى أنه صائم حتى تلك اللحظة ولكن، وآه من كلمة لكن، فهذا السم اللعين يسري في دمه منذ صباه، ولقد حاول كثيرا الإقلاع عن ذلك السم، تصوروا أنه مرة من المرات لم يدخن سيجارة لمدة ثلاث ساعات كاملة! تصوروا !!!

غير أن الأستاذ المحترم لم يحاول منذ طفولته أن يصوم ولم يدفعه أحد لذلك إلا بعد بلوغه سن الرشد... وسن التدخين أيضا... المهم أنه نوى هذه السنة أن يصوم ولا جدال في ذلك –حتى الآن- ولكني أراه الآن بعد نصف ساعة من استيقاظه من النوم وهو يتنسم رائحة السجائر وأرى ألم الصداع مرسوما على وجهه، وينظر إلى العصائر والحلويات ويشتم رائحة الأكل التي تغمر المكان فيزداد غضبا وسخطا... ("الله أكبر"... المسجد المجاور يقيم صلاة الجمعة) وهو كعادته يخفي وجهه عني وكأنه لا يسمع، ولكن لن أسكت (ماتقوم تصلي الجمعة مرة من نفسك... ولاّ إنت مش صايم؟)... نظر لي وهم أن يقول شيئا ولكنه تراجع... من الواضح أنه ينوي الاستمرار في التجربة... يا مسهل يا رب...

وفعلا قام وتوضأ وذهب وصلى الجمعة... ثم هاهو في المنزل و...(صليت؟... يمكن ربنا يكرمك وتكمل اليوم) رمقته بنظرة نارية وأنا أقول له ذلك فأجابني وكأنه يحاول أن يثأر لكرامته (هكمل اليوم وهغيظك ولو حتى دماغي اتفرتكت.. إيه رأيك بقى؟...) فقلت له (على الله تنصفني المرة دي)... وتظاهرت بأني أقوم ببعض الأعمال، ولكني راقبته من خلف الباب فقد يدخن سيجارة أو يشرب (حاجة ساقعة) من الثلاجة دون أن أدري... ولكني رأيته يفتح التليفزيون فخرجت من الغرفة وجلست معه ولسوء حظه فإن التليفزيون في نهار رمضان لا يعرف إلا برامج الطهي... فعلى القناة الأولى: برنامج (طبق اليوم)... والثانية: (طباخ ع الهوا)... والثالثة: (طبق رمضان)... والرابعة والخامسة و.....، كل البرامج عن الأكل... فتمتم (ولو) وقام مندفعا إلى غرفة ابنتنا وأنا أراقبه وأدركت ما بنفسه من عينيه فقد تاقت نفسه إلى سيجارة فرمقته بنظرة يحفظها عن ظهر قلب... كان معناها (ورينا بقى هتكمل ولاّ زي كل مرة)... فتحامل على نفسه وحاول تناسي ذلك السم باللعب مع ابنتنا الصغيرة حتى أذان العصر... فقام يصلي العصر قبل أن أسمعه ما يكره.... (هانت) قالها وهو يحاول أن يرسم على وجهه علامات الصمود ولكنها جاءت ضعيفة هزيلة لم تقنعه هو نفسه ووقف يصلي وهو يتألم من شدة الجوع والصداع، وانتهى من صلاته فسمعته يخاطب نفسه (ولو... لسه المعركة مستمرة وأنا لها) وكنت قد انتهيت أنا وابنتنا من ارتداء ملابسنا و... (يلاّ البس عشان نمشي احنا اتأخرنا)... قلت له ذلك لأحثه على الخروج من التفكير في المعركة... أقصد الصيام... فلقد تعودنا على الإفطار في بيت عائلته أول يوم، وذهبنا، وهناك... (إيه.. صايم ولاّزي كل سنة؟) هذه أمه... (شد حيلك يا بطل.. الصيام للجدعان) وهذه أخته... (أنا مش عارف رجالة إيه دي اللي مابيقدروش يصوموا وفاتحين بيوت؟!) وهذا زوج أخته...

وطبعا وأنتم تسمعون هذه التعليقات تشعرون بالحرج له فهل تقدرون ما أشعر به أنا، ولكنه نظر إليهم شذرا معلنا تحديه هذه المرة، و لكن وصل لمرحلة عدم التركيز ورأسه توشك على الانفجار، الباقي ساعتان... هذه أصعب أوقات حياته والتي يفطر فيها دائما... لذلك وضعت يدي على قلبي كما يقولون... ادعوا له... الباقي من الزمن ساعة... إنه لا يتحمل أحدا في هذه الفترة ونحن جميعا نعلم ذلك... لذلك ابتعدنا عنه وتركناه وحده ورأيتهم يتراهنون فيما بينهم، وينظرون إلى بعضهم نظرات ذات مغزى... وأسمع أمه تقول كما تقول كل مرة (ما تسيبوه مالكم وماله هو يا حبيبي مبيقدرش ع الصيام)... ما علينا...

ها هو الإفطار على السفرة... رأيته وقد أوشكت رأسه على الانفجار وأوشك على الانهيار والبكاء من شدة الصداع... الباقي من الزمن ربع ساعة... عشر دقائق... خمس دقائق... حانت اللحظة... و... انتصر...

أكمل اليوم الأول... تخيلوا لقد صام زوجي لأول مرة... وأصبحت أنا زوجة صائم لأول مرة...

  • Currently 75/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
25 تصويتات / 188 مشاهدة
نشرت فى 19 مايو 2005 بواسطة anbaa1

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

647,016