|
دروس في الاستعباط...! |
|
|
| |
|
كنت أبدأ رحلة المجد.. كنت أستعد إلى الانضمام إلى كتيبة العمل في "بص وطل".. جالسا "منجعصا" في الكرسي الوثير مستشعرا من شدة برودة التكييف أنني انتقلت بغتة إلى قلب سيبيريا.. كنت أفكر في المستقبل المشرق الذي ينتظرني في "بص وطل".. حائرا هل سأصبح مثل الأستاذ "هيكل" في شهرته وثقافته واطلاعه وعلاقاته وسلطاته وأسراره.. أم سينتهي مصيري مثلما انتهى عم "عبد المعطي المسيري".. أشهر كاتب بديل في الستينيات والذي كان يقوم بتقييم القصص المشاركة في المسابقات الرسمية من الباطن وبينما يجني هو الظل وبقايا الفلوس التي تكفيه بالكاد كان الأساتذة الكبار أصحاب الأسماء الرنانة يجنون الشهرة والفلوس بالكوم.. كنت شاردا في هذه الأفكار "المليئة بالتفاؤل" كما هو واضح.. وكان القطار قد تجاوز المنصورة بقليل عندما بدأ العرض.. الكمساري بصوت عالٍ: والله لو وزير "النجل" ذاته.. هتدفع الفرق يعني هتدفع الفرق.. شخص تبدو عليه ملامح الاستعباط: يا باشا أنا ناظر محطة.. عديها بقى.. الكمساري وقد انفعل أكثر: باجول لك "واضح أن له جذورا صعيدية واضحة في تمسكه في موقفه ولهجته".. لو وزير النقل ذاته هادفعه الفرق أنا شغلتي كده.. هتدفع ولا ترجع ورا الدرجة الثالثة.. اتفضل لو سمحت باحترامك.. وهنا قام الرجل "الذي تبدو عليه ملامح الاستعباط كما تتذكرون" وعاد إلى العربة المجاورة "درجة ثالثة.. ياي" وهو يتمتم بكلمات غامضة حتما لا تحمل خيرا للكمساري.. استقر الأمر قليلا.. ثم بد أ العرض الأقوى عندما تجاوز القطار طنطا.. كانت هجمة هذه المرة على العربة المكيفة لأن القطار يبدو أنه امتلأ في الخلف.. وصال الكمساري وجال برجولة وإصرار وإخلاص أعجبني بحق وظل يطارد كل "المستعبطين" الذين يريدون أن يستقلوا المكيف دون أن يدفعوا ثمن التذكرة المحددة.. وكانت عبارته المميزة لو وزير "النجل" ذاته "جدامي" ورحمة أبويا هادفعه الفرق..".. ووسط هذه الهوجة نجح شخص آخر ممن تظهر على وجوههم ملامح "الاستعباط" أن يجلس في الكرسي المجاور لي.. وفور أن لمح الكمساري قادما.. قفز فجأة من كرسيه وقال لي.." طيب لما ألحق بقى صلاة المغرب".. وجلس على الكرسي المقابل ولا أعرف كيف عرف اتجاه القبلة وفي اللحظة التي جاء فيها الكمساري ليسأله عن التذكرة كان صوته بـ"الله أكبر" سابقا للسؤال..! كان هذا درسا جديدا في الاستعباط.. وللأسف ممزوجا بالدين.. ظن الأخ "المستعبط" بأن الكمساري سيتركه إذا كان يصلي.. إلا أن الكمساري في صبر يحسد عليه وفي إخلاص لعمله بهرني أن يظل منتظرا إياه حتى ينتهي من صلاته "التي طالت بالطبع".. وفور أن انتهى منها قال له.. حرما يا سيدي تذكرتك بقى لو سمحت.. وكانت الإجابة المعتادة "أصل أنا أمين شرطة" ولم يتمالك الكمساري نفسه "يعني كمان شرطة يعني المفروض تحافظ معاي على النظام، وبعدين يا سيدي ربنا قال تصلي وتسرق الحكومة؟".. كان الرد مفحما للغاية ولو كنت مكان الرجل لكسرت زجاج نافذة القطار ولرميت نفسي منها من الحرج.. إلا أن الرجل في برود شديد نزل من الكرسي وارتدى حذاءه في تؤدة مستفزة وذهب إلى الدرجة الثالثة وهو يتمتم بنفس الكلمات الغامضة.. وكانت نهاية العرض في بنها عندما طرد الكمساري أكثر من عشرة أشخاص وأرجعهم إلى العربة المجاورة.. إلا أنه فور أن ترك عربتنا اندفع واحد من هؤلاء من الخلف ليعود إلى كرسيه مرة أخرى.. ولا أعرف كيف شعر به الكمساري رغم أنه كان في آخر العربة ومعطيا له ظهره إلا أنه التفت في نفس اللحظة وصرخ بصوت ارتج له القطار "شاااااااااااايفك.. يعني أجيب كرباج بقى ولا إيه".. قفز الرجل مفزوعا من كرسيه وجرى نحو الدرجة الثالثة.. في نفس اللحظة التي كدت أن أصفق للكمساري على شجاعته وإخلاصه في عمل. وصل القطار المحطة.. وتشممت هواء القاهرة الساخن اللافح رغم أننا كنا بالمساء ولا أعرف لماذا هاجمتني في هذه اللحظة صورة عم عبد المعطي المسيري..! ربنا يستر.. | |
نشرت فى 19 مايو 2005
بواسطة anbaa1
عدد زيارات الموقع
647,267
أصر والدي على أن يفعلها هذه المرة على سبيل التشجيع والتحفيز.. وفعلها.. حجز لي تذكرة في القطار المكيف..! هذا لا يعني كما قد يتبادر إلى ذهن بعض الخبثاء "الذين أعرفهم بالاسم" أني لم أستقل من قبل قطارا مكيفا.. مطلقا.. بس هي "النفس" بس.. النفس البشرية "بنت الإيه دي" التي تجعل هناك من يفضل الجبنة القريش والجعضيد "إية الجعضيد ده؟" عن "السيمون فيميه والكافيار"، وأرجو ألا يسألني أحد عن معنى هذه الأشياء الغريبة.. هي تلك النفس التي تفضل أن تسافر عبر الدرجة الثالثة حيث رائحة البشر الحقيقية مختلطة برائحة العرق بالطبع ولا تحب أن تسافر عبر العربات المكيفة حيث المشاعر الباردة والأشخاص جامدو الملامح. 

ساحة النقاش