أنا والحنين و... الملوخية

 

 

 

كثيرا ما يهيمن عليّ حنينُ للماضي بكل مفرداته وتفاصيله، فأجدني مشتاقة لمكان ما أو توّاقة لرؤية وجوه من الأبيض والأسود ورغبة ملحة تلسع كحرقة الشطة لسماع كلام زمان وأسلوب ناس زمان "الراقيين" حتى في ملبسهم. وأحيانا يبدو لي إحساسي بالشوق والحنين غير مبرر كالطفل الذي يطلب فجأة آيس كريم في عز الشتاء ولو لم تنفذ رغبته يدخل في نوبة بكاء وصراخ وخبط الأرض بقدميه.

اقترحت على نفسي مرة كتابة ما ينتابني من مشاعر في لحظات الحنين لكنني لم أفعل إلا نادرا لصعوبة تصوير ووصف ما أجد أو لطوفان إحساساتي التي تغرقني فلا أعرف بم أبدأ وبم أنتهي.

ولكن... تلك المرة لم تكن لها سابقة على الإطلاق...

كانت طازجة، صغيرة الأوراق، فاتح لونها، مبهج خضارها ولا يملك من يراها إلا أن يتذكر صوت "الطشة ووراها شهقة... سمعت عنها". اشتريتها وأوليتها كل رعايتي واهتمامي. وقمت بكل مراحل التجهيز المتبعة قبل عمل الملوخية. وأنا أنشرها لتجف، هاجمتني نوبة الحنين بضراوة وشراسة غريبة. ولكن هذه المرة لم تكن حنينا لمكان أو بشر أو أغنية أو أية صورة أبيض في أسود، بل كانت حنينا لصوت المخرطة على الطبلية ودقات يد الهون لفرم الثوم والتي حل مكانها أصوات آلية مملة للمفرمة وماكينة الملوخية.

أعلم أنك ستضحك أو تضحكين -لا فرق- لكن.... المهم.... أحكم الحنين قبضته عليّ ولم يترك الفرصة لعقلي ليسخر منه أو مني. واشتعلت في قلبي نار حماسة سرت منه إلى كل أطرافي وانتقلت إلى البيت لتقلبه بحثا عن المخرطة والهون. بدأت فنزلت سحارات السراير ثم طلعت فوق البلاكار ومنه نزلت لتحت في المطبخ ومنه طلعت مرة ثانية للمطبخ من فوق...

لم يعطلني سوى استفسارات إخوتي "بتعملي إيه؟ طيب بتدوري على إيه؟ طيب قولي واحنا نساعدك.." وأنا أفضل السكوت لأني أعرف رد فعلهم، ومن لها إخوة صبيان وهي البنت الوحيدة ستفهم ما أقصده.

المهم...
وجدتها هي والهون الألومينيوم ويده الثقيلة... وهللت كالأطفال أيضا. بعد أن غسلت المخرطة وسننتها بعنف، طلعت الطبلية –بعنف أيضا- من تحت الأنقاض المركونة في البلكونة. أعددت العدة وفرشت الفرشة وجلست على ركبتي نصف جلسة أو وقفت على ركبتي نصف وقفة. وفهم إخوتي الحكاية وبدءوا مسلسل الغلاسة الأولادي المطول المكون من تعليقات وضحكات مستفزة وأصوات لا أعرف من أين تصدر.

بدأت العملية باستمتاع شديد وأنا أحاول أن أقلد ما أراه في البلد لما أزورها كل كام سنة مرة. في البداية اهتزت يدي وكنت أقع على الملوخية وظللت أجاهد حتى توازنت تماما وسمعت الموسيقى البدائية التي اشتقت إليها. موسيقى تنبعث من احتكاك المخرطة بالأرضية الخشب ومن رنات الهون.

جاء أبي من الداخل على صوت إخوتي وصوت ما أفعل. وبعد أن مرت مرحلة الانبهار والدهشة وعدم التصديق... وإلخ من المفردات المعبرة عن هذا المعنى، لم يتمالك نفسه من الضحك. والتفت لإخوتي وقال عبارته المألوفة "معلش أصل أختكم دي طفلة بريئة".

عملت الملوخية واستمر استمتاعي وإحساسي بالاختلاف حتى وأنا أغرفها في السلاطين. ولم أكن أصدق عيني لما لاحظت فرقا كبيرا بين الملوخية الآلية واليدوية. الأولى شكلها كالحساء "دايب ومايع" ولا فرق بين مكوناتها. أما الثانية فقد كونت المخرطة فيها أشكالا هندسية مخروطية غير متساوية تغري على الأكل أو الشرب. وحمدت ربنا على الحنين الذي يأتي كل مرة ليفاجئني وكأنه جديد عليّ.

 
  • Currently 79/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
26 تصويتات / 171 مشاهدة
نشرت فى 19 مايو 2005 بواسطة anbaa1

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

647,011