يوميات سائح

 
 

يمسك بيده كتاباً عن مصر وآثارها، إنسان مثقف، يحب وطنه، مصر بالفعل بلد رائع، هكذا كان دائماً يقول محدثاً نفسه، لم ير كل المعالم السياحية داخل بلده، ما الذي يمنعه؟
-أكيد مفيش حاجة تمنعني.
-ده إنت طيب قوي. يقرر القيام بزيارة الأماكن السياحية بمصر وإليكم ما يكون.

اليوم الأول:

في اليوم الأول يقرر الذهاب إلى القلعة، يستيقظ مبكراً، إنه على أتم الاستعداد لقضاء يوم سياحي عظيم. يصل إلى هناك، أول مكان يتوجه إليه هو مسجد محمد علي. يخلع حذاءه، المكان في منتهى الروعة، يجلس على السجاد داخل المسجد لتأمل السقف والزخارف التي به. يأتي أحد الرجال العاملين على المسجد منبهاً إياه أن الجلوس ممنوع، ينهض ناظراً إلى الأجانب الجالسين إلى جانبه في تعجب. يعاود الجلوس بعد أن تصنع أنه مازال يتجول في المكان.. يعود الرجل بغضب شديد قائلاً:

- احنا هنلعب ولا إيه؟ مش قلت مفيش قعاد؟ يرد قائلاً:
-إشمعنى الأجانب دول قاعدين؟ يتطور الحوار إلى أن يقرر الخروج، ولكن كيف يخرج والأجانب مازالوا جالسين، يجلس.. يجيء الرجل قائلاً بدون تردد:
-بطاقتك.
في سرعة يرد:
-معييش بطاقة. يأخذه الرجل ويذهب به إلى مكتب شرطة السياحة بجوار المسجد، يتركه هناك.. يأتي الضابط المسئول بعد طول انتظار ويسأل عما حدث، يقص عليه ما حدث وكيف أن الأجانب كانوا جالسين مثله ولم يمنعهم الرجل من الجلوس.
يسأله الضابط:
-إنت منين؟.
يرد الرجل:
-من المعادي.
فيقول له:
-بص.. دول جايين يومين وهيمشوا.. لازم نعاملهم كويس عشان ييجوا تاني.. دلوقتي على البوابة عدل.. لو شفتك هنا هتتحبس.
يحدث نفسه بعد أن ابتعد قليلاً عن مكتب شرطة السياحة:
-لأ أنا لا يمكن أمشي.. دي بلدي وأنا أحق من غيري إني أتمتع بيها.. ثم.. خرج وهو يلعن السياحة والآثار و... و.... و.....

اليوم الثاني:

يقرر في هذا اليوم الذهاب إلى أهرامات الجيزة -رمز العظمة-، واحدة من عجائب الدنيا السبع. يستيقظ مبكراً، يعد كل ما قد يحتاج إليه، ينتظر عند محطة الأتوبيس. اليوم هو أول أيام عيد الأضحى المبارك. الشوارع غاية في الازدحام.. إنه على اقتناع بأن من يسعى لهدف عليه بالتضحية في سبيل ما يسعى إليه؛ عليه أن يضحي باليوم ونهاره في سبيل الوصول إلى هناك. يستغرق الطريق إلى منطقة الأهرامات ساعتين كاملتين؛ حيث إن شارع الهرم يكون كماسورة سيارات منفجرة.

أخيراً، يصل عند مطعم خريستو -آخر شارع الهرم-، ينزل والفرحة تكاد تقضي عليه، يأتي رجل من رجال الشرطة يأمر كل مصري يرغب في زيارة منطقة الأهرامات بالحضور في وقت لاحق؛ فاليوم للأجانب فقط، وهكذا كان بعض التعليقات..
رجل لزوجته وأولاده:
-أحسن أنا ما كنتش عاوز آجي.. قلت لكم نروح أي حتة تانية...
وهذا شاب مع مجموعة من أصدقائه مخاطباً رجل الشرطة:
-طيب أنا عندي معاد مع خوفو يا باشمهندس..
إلى آخره من التعليقات المصرية الخالصة.
يحدث نفسه:
-ده الواحد يروح أحسن يشرب له إزازة سم ويقضي العيد في مستشفى أحسن من حرقة الدم اللي هو فيها دي.. في النهاية يرجع بخفي حنين.

اليوم الثالث:

في هذا اليوم يقرر الذهاب إلى قصر ثقافة الغوري؛ تقام عروض رقصة التنورة الصوفية، والتي يحرص -كلما كان لديه متسع من الوقت- أن يحضر عروضها باستمرار، يتحرك من المعادي في تمام الخامسة والنصف وهو يعلم أن المسافة تستغرق حوالي ساعة، يصل تقريباً الساعة السابعة إلا الربع –مع العلم بأن آخر موعد للحجز الساعة السابعة مساء-، وبمجرد أن يصل إلى الباب حتى يجد أحد القائمين على المكان يمنعه من الدخول قائلاً:
-خلاص معاد الحجز فات.. المرة الجاية تيجي بدري شوية. يرد قائلاً:
-ازاي يعني معاد الحجز فات.. أنا عارف إن المعاد لحد الساعة سبعة. يرد الرجل قائلاً:
-لأ.. معاد الحجز لحد ستة ونص.

ينظر إلى الرجل شذراً، لم يعد أمامه ما يفعله سوى أن يغادر المكان، وبالفعل تحرك وكله أمل في أن يتمكن من حضور العرض بأية وسيلة كانت. ما من أمل في حضور العرض، ينظر إلى أعلى –حيث بوابة القصر- فإذا به يشاهد عدداً من الأجانب يتحدثون إليه، يسرع إلى السلالم، يسمعهم يسألون عن عرض التنورة، عندما يصل كانوا قد دخلوا إلى القصر، يسأله الرجل ويقول:
-إنت إيه اللي رجعك تاني؟
يرد سائلاً:
-إشمعنى اللي دخلوا دول ما قلتلهمش معاد الحجز فات؟ يرد الرجل:
-دول جايين عشان حاجة تانية-مع العلم بأنه لا يوجد عرضان بهذا المكان يعرضان في ذات الوقت-.. وبعدين إنت مالك؟
يردد منفعلاً:
-متشكرين قوي،
ثم لنفسه:
-يلا.. الكداب اللي زي ده ما عرفش ازاي يمسك منصب في وزارة الثقافة؟

اليوم الرابع:

في هذا اليوم يقرر الذهاب إلى المعبد اليهودي الكائن في شارع عدلي بالتحرير. يذهب في المرة الأولى ومعه أربعة من أصدقائه، يقابلهم أحد رجال الأمن الواقفين عند الباب، يتطوع أحدهم للحديث إليه، ينظر له بتفحص عندما يسأله عن إمكانية دخول المعبد، يسأله في صوت خافت:
-إنت مصري؟
يجيب:
- أيوه.. ليه؟ هو ممنوع المصريين يدخلوا هنا؟ لم يجب على سؤاله، يوجه له سؤالاً آخر:
- هو حضرتك يهودي؟
يجيب:
- لأ.. ينظر إليه جيداً ثم ترتفع نبرة صوته فجأة وهو يقول:
- لما إنت مصري.. ومش يهودي.. أمال إيه اللي جايبك هنا؟
يجيب:
- جاي أشوف المعبد
يقترب منه ويقول وكأنه يفشي سراً:
- إنت ماتعرفش إن أمن الدولة بيراقب كل المصريين اللي بيدخلوا المعبد ده؟عشان بيشكوا إن ليهم اتصال بمخابرات الدول المعادية!
لم يرد.. يتركه ويعود إلى أصدقائه الأربعة.. روى لهم ما قيل..
يقول أحدهم:
- أنا غلطان إني سمعت كلامكم من الأول.. يلاّ نمشي يا جدعان.. هيفتكروا إننا عاوزين نضرب المعبد.. ولو اتشدينا مش هيتعرف لنا طريق جرة. يسير الجميع ولكنه يقرر العودة غداً. يذهب في اليوم التالي. تسري رعشة في جسده عندما يصل إلى الباب ولم يكن رجل الأمن الذي تحدث صديقه إليه أمس منتبهاً له، يتوجه نحو الباب الرئيسي، المكان شبه مظلم، يقول له رجل يجلس إلى اليسار:
- أهلاً وسهلاً.. أي خدمة؟ يرد برعشة في صوته ويديه:
- أنا طالب في كلية فنون جميلة وكنت عاوز أخش أشوف شغل الإزاز المعشق اللي جوه وأتفرج على المكان عموماً.
يرد الرجل ببساطة:
- طيب اكتب اسمك هنا. يمسك القلم ويدون اسمه ورقم البطاقة كما طلب منه الرجل.

اليوم الخامس:

يقرر في هذا اليوم أن يتبع المثل القائل: "من خرج من داره قل مقداره".

 

  • Currently 60/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
20 تصويتات / 160 مشاهدة
نشرت فى 19 مايو 2005 بواسطة anbaa1

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

647,316