لا أكاد أصدق أن كل هذا حدث لي ليلة العيد!

كنت على خير ما يرام في الصباح، ثم بدأت أعطس قليلا عند الظهيرة، وبعد ساعة أخرى كانت أنفلونزا عاتية تكتسح العظام وتحركها من أماكنها، حتى إنني لم أعد أعرف رأسي من قدمي، مع صنبورين مفتوحين مكان فتحتي الأنف، ومسمار في الحلق لإكمال الصورة.


ولأن المصائب لا تأتي فرادى، فقد بدأ ذلك الضرس اللعين في الإعلان عن نفسه، ليشترك مع الأنفلونزا في عزف سيمفونية متناغمة.


اتصلت بصديقي الذي يدرس بكلية طب الأسنان، فذهب لإحضار الكتب والملازم، وأخذ يبحث ويقارن بين الأعراض التي أصفها وما هو مدون في الكتب، وعلى مدى ساعة على الهاتف توصل إلى أن هذه حالة اسمها Irreversible Pulpitis، وهي حالة غير قابلة للشفاء، ولا حل لها إلا عمل علاج جذور يستغرق جلسات عديدة لأن هذا الضرس بالذات متعدد الجذور، ثم تغطية ما سيتبقى من الضرس بعد ذلك بطربوش من البورسلين، وأن هذه العملية ستتكلف زهاء ألف جنيه!


طيب، سأحاول أن أتناسى كل هذا مؤقتا، خاصة وأن سيرة الألف جنيه قد أحدثت لي هزة نفسية أنستني الأنفلونزا، إلا أن الأنفلونزا لم يعجبها أن تظل هكذا منسية فأعلنت عن نفسها بعطسة شديدة مفاجئة جعلتني أعض لساني، الذي توّرم بعد قليل من جراء العضة، وهكذا فقدت كل أمل في تذوق روائح العيد المتنوعة التي تأتي عبر المطبخ!


ذهبت إلى السرير برفقة صديقي "باولو كويلو"، الذي أنساني قليلا ما أنا فيه بحكاياته العجيبة عن راعي الغنم "سانتياجو" وكنزه العجيب المدفون قرب الأهرام، وصرت أغفل تحت البطانية وأحلم بحجر الفلاسفة وإكسير الحياة، وضرورة اتباع العلامات التي يتركها لنا الله في الطريق، وأقوم لأجد جواري أكواب القرفة الساخنة الكريهة، وفمي المفتوح جافا مثل زلطة، وأتأوه بالكلمة المكتوبة في عنوان هذا المقال، وبعدها علامتيّ تعجب مثل هاتين!!


لازلت في السرير والدخان يتصاعد من رأسي مثل عم دهب في القصص المصورة، و"سانتياجو" لازال يبحث عن كنزه، والقرفة صارت باردة، وضوء المصباح يبدو أسطع من اللازم، وحرارتي بدأت ترتفع، وبقي قرص واحد في الشريط، بينما ضاع الترمومتر، وصوت الهاتف يبدو كسرينة إسعاف، ولم أعد أرى عقربيّ ساعة الحائط جيدا، هل نحن بالليل أم بالنهار؟ صوت رسالة معايدة على المحمول، لن أستطيع أن أراها لأن الطاولة تبعد حوالي متر عن السرير وهذه مسافة شاسعة. تخيل أنني لم أفتح الكمبيوتر اليوم. فليكتب هذا الحدث العجيب في التاريخ!


أرى بعين الخيال أصدقائي وهم يحتفلون، أو يخرجون للنزهة، أو يأكلون ما لذ وطاب، بينما أرقد أنا هنا مع بطانيتي، وأبحث عن الكنز مع "سانتياجو"!


وحتى الآن، لا يصدقني أحد عندما أقول له إنني قضيت العيد في السرير، ويظن أنني فقط لا أريد أن أقول لأنني أخاف من الحسد، أو لأنني "خلبوص" أكثر من اللازم!

  • Currently 60/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
20 تصويتات / 190 مشاهدة
نشرت فى 19 مايو 2005 بواسطة anbaa1

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

647,230