جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
|
النزاعات القبلية تحكم سكان المدينة.. (يوميات طالب في المدينة الجامعية) |
|
| |
 |
| |
| |
|
المدينة الجامعية مجتمع ثري.. يصعب أن تجد هذا الثراء في أي مجتمع آخر.. ثري في أحداثه اليومية.. ثري في شخوصه المختلفين في كل شيء.. في أشكالهم؛ فمنهم الأبيض ومنهم الأسمر.. وذو الشعر الناعم وصاحب الشعر المجعد.. مختلفين في ثقافتهم وقناعاتهم ونظرتهم للأشياء.
والمدينة الجامعية لمن لا يعرفها هي مجمع سكني يقطن فيه طلاب الجامعة المغتربون أي القادمون من محافظات أخرى غير المحافظة التي توجد بها هذه الجامعة.
وتعد المدينة الجامعية الأم لجامعة القاهرة أكثر المدن الجامعية في مصر ثراء، ليس فقط لأنها تابعة لأكبر جامعة في مصر أو لأنني –كاتب هذه السطور– عشت فيها أربع سنوات هي عمر دراستي في كلية الإعلام، ولكن لأنها بالفعل كذلك؛ حيث إنها تتكون من 16 مبنى، كل مبنى مكون من ثلاثة أجنحة وخمسة أدوار، كل دور يزيد على 40 حجرة، وكل حجرة تضم فردين على الأقل.
ومن خلال يوميات طالب في المدينة سوف أحاول أن أطلق ومضات على ظواهر معينة عايشتها بنفسي خلال حياتي داخلها، وأول ظاهرة يستطيع الإنسان اللماح أن يلحظها في المدينة هي النزعات القبلية التي تحكم ساكنيها، وتظهر هذه النزعات بوضوح في الحوارات بين طلبة المدينة، وكذلك الاحتكاك اليومي بين الطلاب و"الإفيهات" والنكات التي تطلق على أبناء المحافظات المختلفة فلايزال "المنوفي لا يلوفي حتى لو أكل لحم كتوفي" للدلالة على أن مصلحته فوق الجميع أما "الدمياطي البخيل" الذي يسألك إذا ما نزلت ضيفاً عليه في حجرته "تاكل ولا تنام خفيف أحسن؟" وطبعاً "البحراوية الخبثاء" هم يهود مصر أو على الأصح يهود المدينة الجامعية، والكل يعرف بالطبع أن "الأسايطة هم منايفة الصعيد".
أما "البورسعيدي" في المدينة فليس له إلا اسم واحد هو "أبو العربي - الفشار" بغض النظر عن اسمه في شهادة الميلاد مثله في ذلك مثل صديقه "بكار" الأسواني الذي يقطن في الحجرة المجاورة.
وتنقسم المدينة الجامعية إلى أجنحة أو معسكرات يقيم في كل واحد منها أبناء المحافظة أو الإقليم الواحد؛ فهناك معسكر أو جناح الفلاحين الذي يسكنه أبناء محافظات الوجه البحري: الشرقية، والغربية، والمنوفية، والدقهلية.. إلخ.. ومعسكر الصعيد الذي يقيم فيها أبناء محافظات الجنوب من الفيوم وحتى أسوان.. لكن أبناء محافظات أخرى مثل مطروح، وسيناء، والسويس، والإسماعيلية، وغيرها ليس لهم معسكر مستقل لأن غالبيتهم لهم أصول صعيدية أو لأنهم فلاحون؛ لذلك فهم يميلون إلى أي من المعسكرين حسب أصولهم القبلية.
وللعلم فإن هذا التقسيم لم تضعه إدارة المدينة الجامعية، وإنما هو تقسيم فرضته النزعة القبلية المغروسة في نفوس أهالي المدينة، وهناك تقسيم آخر أكثر عمومية؛ حيث يقسم مباني المدينة الجامعية إلى نوعين: الأول مشهور بين الطلاب بمباني "الغم" و"النكد" وهي تلك المباني التي يسكنها طلاب الطب والهندسة والكليات التي تحتاج إلى "مذاكرة طحن"؛ لذلك من الصعب أن تسمع صوتاً للراديو أو الكاسيت أو أي من أجهزة أو أدوات التسلية التي تتميز بها مباني النوع الثاني.
وإذا دخلت مبني من مباني النكد، وتمشيت في أي طريق من الطرقات الضيقة الفاصلة بين الحجرات، فلا تنتظر أن تقابل بشراً في طريقك حتى إنك لتظن لأول وهلة أنك في مقابر الحرب العالمية الثانية، ويصعب جداً أن تجد تجمعات في حجرة واحدة، أو كلاماً خارج موضوعات المذاكرة..
أما النوع الثاني من المباني التي يطلق عليها أصحابها "مباني الأنس والفرفشة"، فهي التي يقطنها طلاب الكليات النظرية السهلة مثل الآداب والحقوق والإعلام.. وما قيل عن مباني النكد يتناقض تماماً مع مباني الأنس، فإذا دخلت أي مبنى من النوع الثاني فلن تستطيع أن تمر في طرقة من طرقاته دون أن تتجاذب سمعك أصوات الأغاني، القديم منها والجديد، تنبعث من الحجرات سواء أكان مصدرها الكاسيت الذي غالباً ما يكون بسماعتين ليلائم جلسات الأنس والفرفشة، أو كان مصدرها حنجرة الطلاب الذين يؤمن أغلبهم أنه لولا "الكوسة" في البلد لتربعوا على عرش الغناء العالمي أو العربي على أقل تقدير.
وإذا رجعنا إلى موضوع النزعات القبلية فجدير بنا أن نذكر أن هذه النعرات لا تظهر إلا في النوع الثاني من المباني، أو على الأقل تظهر بوضوح أكثر من مباني النكد.
وهو أمر منطقي جداً نتيجة سياسة التجمعات التى ينتهجها طلاب الأنس أو كما يطلقون على أنفسهم "الفاشلين"، فطلاب كل كلية يسكنون في الغالب في دور واحد؛ لذلك تجد في هذا الدور غالباً حجرتين أو ثلاثة هي مكان التجمع لباقي سكان الدور، وكل حجرة تعبر عن هوية قبلية محددة، فهناك حجرة الصعايـــدة أو قاعة اجتماعاتهم –إن صح التعبير–، وهناك حجرة الفاشلين، كما قد تكون هناك حجرة ثالثة للمنبوذين من كلا المعسكرين.. وقد تجد النزعة القبلية أكثر تخصصاً فتجد حجرة خاصة للغرباء، وأخرى للمنايفة، وثالثة للأسايطة على سبيل المثال.
وتخرج من هذه الثكنات –الحجرات– كافة الصواريخ القبلية المواجهة لباقي المعسكرات المعادية، وكما قلنا فالسمة المميزة في هذه الحروب الكلامية هي التعاون بين أبناء المعسكر الواحد..
وإذا رأى أي من أفراد معسكر ما فردا من معسكر آخر معاد وقد أتى قولاً أو فعلاً يصلح للتندر عليه فيجب عليه أن يُبلغ باقي أفراد معسكره حتى يضموه إلى ذخيرتهم الحية. |
ساحة النقاش