كأنك لا تراني

 

 
 
 

"انكسر جوانا شيء.. وانطفت بيننا المشاعر.."

أستمع لصوت "علي الحجار" باستغراق، أتوه في رنة صوته المميزة، وأفكر.. ترى ما الذي انكسر بداخلنا يا مصطفى؟!

السنون تمر بلا رحمة، والفجوة التي بيننا لا تملك سوى أن تتسع، وكل محاولاتي في تقليلها تفشل فشلا ذريعا. لا أعرف أين ذهب كلام الماضي، حين تقدمت لخطبتي.. حدثتني عن المستقبل.. وعن كوننا نصفين لا يمكن تفريقهما.. وعدتني ببيت مثالي.. سعيد.. طلاؤه المحبة وأغطيته الحنان.. عني.. وعن كوني الإنسانة التي كنت تبحث عنها طوال عمرك.

أذكر جيدا نظرة الدهــشـة من عائلــتك التي استـغــربت تفضيلك لي –مجرد قروية لم تستكمل الثانوية العامة بعد- على "سارة" التي تخرجت وتعينت معك في نفس السنة في الجامعة. دكتور في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية.. يااه يا مصطفى.. كم فرحت بهذا اللقب.. كم فرحت بك.. وبنا.. وبكل الدنيا ساعتها.. لامست النجوم، وجاورت القمر وصرت لي حياتي التي لا أستطيع البعد عنها ولو للحظات.

كنت أرمقك من بعيد في غرفة مكتبك، وأنت تعمل بصمت. كم كنت أشعر بضآلتي وقتها، وبعظمتك، كم كنت أحمد الله أن رزقني بك، وبأن جلوسي، هناك، تحت قدميك –فقط- يكفيني للأبد. كل ما كان يقلقني هو ذلك البعد الذي كنت أستشعره عندما كانت "سارة" تتصل بك أو عندما كنا نقابلها صدفة في الشارع. كنتما تذوبان في الكلام في لحظات، تتحدثان في أمور السياسة المعقدة أو حتى في الأدب أو الفن، في البدء كنت أحاول مجاراتكما، ولكن كيف وأنا التي معلوماتي لا تتجاوز معرفتي برئيس البلد وبمسلسل الساعة الثامنة التليفزيوني. حديثكما سويا كان يرهقني، كان وجهي يمتقع، وكنت أشعر وكأنني أسقط في هوة بئر سحييييييييقة وكانت أصواتكما تصلني كالأصداء بلغة غير مفهومة.

أعترف لك بأنني كرهتها، وكرهت عجزي وكرهت قلة حيلتي، بل وكرهتك لحظة أشعرتني فيها بأن وجودي في حياتك يقتصر على تلبية مطالبك من كنس وغسل ومسح. وحين تمردت، وقررت التخلص من عجزي، طلبت منك أن تعلمني.. أن تحدثني في شيء يختلف عن مصاريف البيت وعن العزومات الخاصة بأصدقائك، لم تقابل حماستي سوى بالتهكم.. وبتلك الابتسامة الجانبية المستهترة التي أكرهك لأجلها.. نعم تسللت لمكتبك.. نعم تعلمت بمفردي.. قرأت "سارتر" وعن "كامب ديفيد" وسمعت "باخ" ورأيت لوحات "فان جوخ". كنت ألتهم كل هذا بنهم منقطع النظير.. بجوع.. في البدء كنت مدفوعة برغبتي في أن أرضيك، لكنني وجدت بين كتبك السلوى في وحدتي، واكتشفت ذاتي من خلالها.

كنت أخبرك بشيء مما قرأت، وكنت ترد عليَّ "فاكرة نفسك فيلسوفة زمانك؟"، وحين عرضت عليك أن أستكمل دراستي، كي تؤنسني في الفراغ غير العادي الذي أشعر به، كي تضيع إحساسي بالخواء، رفضت بحجة أن هذا سيصرفني عنك. عنفتني واتهمتني بالتخريف. رغبت في زوجة صامتة يا مصطفى.. لا تحدثك ولا تجادلك.. لا تعارضك ولا تلبي إلا طلباتك وبشكل فوري.. مجرد ديكور يكمل وجاهتك الاجتماعية.. كم هذا مؤلم!

والآن، وبعد تجاهلك المستمر لي، أفكر في الرحيل بعيدا.. لا أستطيع أن أتقبل هذا الوضع.. لازلت أحبك.. ولازالت اللهفة تملأ كياني عليك.. وأكاد أجن إذا تأخرت عني.. لكن أرجو أن تعذرني وأن يعذرني قلبي.. أنا فقط لا أستطيع التعامل معك وكأنك لا تراني!

  • Currently 45/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
15 تصويتات / 191 مشاهدة
نشرت فى 18 مايو 2005 بواسطة anbaa1

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

647,267