يوميات مراسل حربي...
داخل الموساد! (5)
 

 

اعترافات قادة مخابرات إسرائيل لصحفي مصري!!

قيادي الموساد يتحدث عن أشهر عمليات التجسس الإسرائيلية الفاشلة داخل مصر

يـحـيى غـانـم
مدير مكتب الأهرام بجنوب إفريقيا

 
 

لقد كان وقع مكاشفة "شوموئيل توليدانو" لي بأنه تولى لفترة طويلة مسئولية إدارة الخدمة السرية داخل جهاز الموساد لا يقل عن وقع مكاشفته لي قبل يومين من أنه كان ضابطا في المخابرات الإسرائيلية! فعندما وصف "توليدانو" تلك الإدارة بأنها الأهم على الإطلاق ضمن إدارات أي جهاز مخابرات، فإنه لم يكن مبالغا، بل لعله لم يرد أن يقول بأن هذه الإدارة تعد العصب الرئيسي لجهاز المخابرات الإسرائيلي.

وإذا قلنا إن أجهزة المخابرات في العالم تختلف فيما بينها –ضمن ما تختلف– في توجهاتها، فإنه يمكن القول بأن الموساد يعد واحدا ضمن عدد من الأجهزة في العالم -إن لم يكن أكثرها- التي تتبنى إستراتيجية "هجومية عدوانية". والـ"هجومية" في هذا العالم تعني أنها تميل بالفطرة إلى نشاط التجسس وتتميز فيه، أكثر من قدراتها على مكافحة التجسس الداخلي لديها!

استعاد "توليدانو" مقعده أمامي بعد استراحة قصيرة تناول خلالها وجبة غذاء، لكي يدور الحوار التالي:
-: تقول إنك ترأست إدارة الخدمة السرية في الموساد لسنوات، كيف كان يتم العمل في هذه الإدارة؟

توليدانو: "نظر لي بحدة، ملتزما الصمت حتى خلته لم يسمع السؤال، فعاودت طرحه من جديد بشكل مختلف"...!

-: ما الفارق بين تسيير إدارة مثل الخدمة السرية، وبين تسيير الإدارات الأخرى التي توليتها؟

توليدانو: لقد سمعت سؤالك من أول مرة، ولكن لم أرغب في الرد عليه. فبالنسبة لعمل إدارة مثل إجلاء اليهود عن الدول العربية، فإن الحديث عنها يعني الحديث عن عمليات تمت ولن تتم في المستقبل، حيث لم يبق في الدول العربية سوى بضع مئات من اليهود. إلا أن الحديث عن إدارة الخدمة السرية أي الإدارة المسئولة عن تجنيد وزرع العملاء في الخارج، بما في ذلك الدول العربية، فإن ذلك يعني الحديث عن ماض يمكن من خلاله بسهولة الكشف عن الحاضر والمستقبل، فهل هذا ما تسعى إليه؟!
 
"قالها توليدانو وقد بدا وجهه قاسيا مثل الحجر"

-: حسنا، دعني إذن أطرح السؤال بشكل مختلف تماما، وأكثر تحديدا، هل تأثر نشاطكم التجسسي على مصر بالسلام بين البلدين، وما الفارق بين أنشطتكم التجسسية على مصر قبل وبعد السلام، وذلك باعتبار أن السلام عامل متغير، في حين أن التجسس عامل ثابت؟

توليدانو: أستطيع أن أتكلم وأنا على علم بما جرى في إسرائيل في هذا الصدد وفي تلك الفترة، فبعد ثلاثة أسابيع بالضبط من توقيع اتفاقية كامب ديفيد للسلام بين مصر وإسرائيل، صدرت أوامر لجميع أجهزة المخابرات وإداراتها وضباطها في إسرائيل: توقفوا، فمصر لم تعد دولة هدف لنا منذ الآن!! وأتوقع أن نفس الشيء حدث من جانب أجهزة مخابراتكم. فما الداعي لإضاعة مثل هذه الأموال الضخمة في حين أن لديكم ولدينا مشاكل في مناطق أخرى أولى بهذا الجهد المخابراتي؟!

أيضا، فإنه من الناحية الأخلاقية، فإنه لا يصح اختراق دولة عقدنا معها اتفاقية سلام.. والأمر في ذلك مع مصر لا يختلف مثله مع الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وغيرها من الدول الصديقة. "ملحوظة: إجابة الرجل كانت تحمل قدرا كبيرا من التضليل، وهو الأمر الذي دفع لطرح الأسئلة التالية، في محاولة لتجلية هذا التضليل".

-: ولكن هذا القول ليس دقيقا بالمرة، فعلى سبيل المثال، وفي حالة الولايات المتحدة أحلف حلفائكم وليس مجرد دولة صديقة، فقد قمتم بتجنيد جاسوسكم الأمريكي اليهودي "جونثان جي بولارد" الذي جندتموه للتجسس لحسابكم من خلال عمله في جهاز مخابرات البحرية الأمريكية؟!

توليدانو: "بولارد" لم يكن يتجسس على الولايات المتحدة لصالحنا كما يعتقد الغالبية!!!

-: على من كان يتجسس لصالحكم إذن؟!

توليدانو: في عملنا هذا، يوجد أكثر من وسيلة لإدارة وتنفيذ عملية تجسس ناجحة، ومن بينها استخدام منطقة معينة في دولة معينة لكي نخترق دولة ثالثة، فعلى سبيل المثال يمكنني أن أستخدم فرنسا لاختراق إيران أو العراق. إنها لعبة أخرى مختلفة تماما لا ألعب فيها ضد فرنسا أو الولايات المتحدة أو على أية دولة صديقة، وإنما ألعب خلالها ضد دولة أخرى خصم أو معادية، ومع ذلك، دعني أؤكد أن عملية "بولارد" كانت خطأ من الأساس، وما كان لها أن تتم منذ البداية. ومع ذلك أؤكد أن "بولارد" لم يكن يتجسس لنا ضد الأمريكان...!

-:حسنا، إذا كان الأمر كذلك، فما الدولة الثالثة التي قمتم باستخدام "بولارد" للتجسس عليها من خلال موقعه كمحلل لصور الأقمار الصناعية في مخابرات البحرية الأمريكية؟

توليدانو: من خلال "بولارد" كنا نحصل على معلومات عن أنشطة كل من العراق وإيران النووية والعسكرية! ولكن في كل الأحوال دعني أوضح لك أنه من السفه تضييع الوقت وإهدار المال في التخابر على دولة صديقة في سلام معنا!!

-: تتحدثون عن أخلاقيات المهنة وذلك بعدم جواز التخابر على دولة صديقة في حالة سلام معكم، بالرغم من أن ذلك يتعارض مع الكشف عن العديد من عمليات التجسس من جانبكم داخل وضد مصر. تلك العمليات التي لم تكن موجهة لدولة ثالثة عبر مصر. فعلى سبيل المثال وليس الحصر قضية عائلة مصراتي اليهودية التي تعود أصولها إلى ليبيا والتي تم القبض عليها في مصر بعد عقد معاهدة السلام بـ13 عام، كما تم القبض على ضابط مخابرات إسرائيلي كان يقوم بتشغيل العائلة.

وبالإضافة إلى هذه العائلة كان هناك العديد من قضايا التجسس الأخرى التي قمتم بها داخل مصر وضدها... كيف يتفق ذلك مع ما تقولونه بتلك التعليمات التي صدرت فور توقيع اتفاقيات السلام بين البلدين إلى جهاز الموساد بوقف عملياته ضد مصر التي لم تعد دولة هدف طبقا لكلامك؟!!

اعتدل "توليدانو" في جلسته وقد اكتسى وجهه بمزيد من الحمرة، وجعل يعبث في عصبية بملعقة الشاي الصغيرة في وعاء السكر الموضوع بيننا. سادت لحظات من الصمت حتى خلت أن الرجل على وشك أن يقوم من المجلس حتى دون أن يعتذر.

أحسست بأن الرجل يعيد النظر في موقفه بالموافقة على إجراء الحوار من الأساس، وخاصة إذا وضعنا في الاعتبار تلك التعليمات التي عرفت بأنها كتاب مقدس لدى جميع ضباط الموساد بالامتناع عن إجراء أية حوارات صحفية أو غير صحفية أثناء وجودهم بالخدمة أو بالحديث عن الخدمة والعمل داخل الموساد بعد التقاعد. وقد علمت من "توليدانو" في نهاية لقاءاتنا في القاهرة وقبل رحيله إلى إسرائيل أن السبب في قراره بالمضي قدما في اللقاء قيامه بالإعداد لقنبلة سياسية -قبل أن تكون صحفية- بالكشف عن أحداث سياسية وعسكرية خطيرة في تاريخ الصراع العربي - الإسرائيلي كانت إسرائيل دائما تنكرها.

دقيقتان وشعرت بأن السؤال يمكن أن يضع حدا لهذا العمل الذي بدأته بتوفيق إلهي، فقلت له:
-: إذا كان السؤال غير مناسب لهذه الدرجة، فلا داعي للإجابة، فعدم الإجابة في حد ذاتها إجابة، ولننتقل إلى نقطة أخرى. "جاء رده سريعا"

توليدانو: بالعكس، وإنما أقوم بترتيب أفكاري.

"ثوان مرت قبل أن يلتفت لي قائلا":
توليدانو: هل لك أن تعيد سؤالك الأخير مرة أخرى!!

"وشعرت بأن الرجل يحتاج مزيدا من الوقت لكي يزن كل كلمة يقولها، فقمت بإعادة طرح سؤالي ببطء شديد لاحظه هو بتقدير استشعرته من خلال شبح الابتسامة الذي ارتسم على ركن فمه"

توليدانو: حسنا، لقد استوعبت السؤال، ودعني أقسم إجابته إلى قسمين:
أولا: فأنا لم أكن بالخدمة في الموساد وقت وقوع هذه العمليات. ولم أشارك بها ولست على علم بتفاصيلها حتى أحكم عليها.

ثانيا: أن قضية عائلة "مصراتي" شابها الكثير من سوء الفهم والكثير من المواقف السياسية. ولكن ما يلزمني أنا كمواطن إسرائيلي هو إعلان دولتي نفيها القاطع أن هؤلاء الإسرائيليين الذين تعود أصولهم إلى ليبيا كانوا يتجسسون على مصر!!

-: هل بذلك تلمح إلى أنهم كانوا يستخدمون مصر للتجسس على دولة ثالثة، مثلما كانت الحال مع الجاسوس الأمريكي اليهودي "بولارد" الذي كان يستغل موقعه في مخابرات البحرية الأمريكية للتجسس لصالحكم على كل من إيران والعراق؟!

توليدانو: "صمت"...

-: وماذا عن العمليات الأخرى التي كشفت لكم داخل مصر؟!

توليدانو: "صمت"...

عند هذا الحد وقف الرجل قائلا: ألم تشعر بالجوع؟ فكان ردي بالنفي، فقال: ولكنني أشعر به لنأخذ فاصلا لتناول الطعام، وقد كان

  • Currently 105/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
35 تصويتات / 203 مشاهدة
نشرت فى 14 مايو 2005 بواسطة anbaa1

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

647,171