يوميات مراسل حربي... داخل الموساد!
(2)

 

اعترافات قادة مخابرات إسرائيل لصحفي مصري!!
لقاء مع أصغر ضابط مخابرات في العالم انضم للمخابرات الإسرائيلية وعمره 17 عاما!

يـحـيى غـانـم
مدير مكتب الأهرام بجنوب إفريقيا

 
 

لم يدر بخلدي في ذلك اليوم من أيام شتاء القاهرة الجميل في عام 1993 أن القدر قد رتب لي تلك الفرصة بأن ألقى أمامي موضوعا بدا غامضا للوهة الأولى، ولكن ما إن خطوت الخطوات الأولى لكي أعالجه، حتى وجدت نفسي على أعتاب ذلك العالم السري الغامض للمخابرات الإسرائيلية! ففي تلك الفترة كنت عائدا لتوي من ميدان الحرب في البوسنة والهرسك لقضاء إجازة في القاهرة، وكنت مازلت أعاني من الآثار النفسية التي حفرت في داخلي أخاديد عميقة من جراء الفظائع التي رأيتها هناك.

جلست في المقعد الخلفي لسيارة الأجرة أراقب المطر وهو يجري على زجاج السيارة، آخذا شكل ثعابين صغيرة اتخذت من الفتحات الضيقة في جسم السيارة أوكارا لها كي تبيت بياتها الشتوي متقية بذلك موجة برد كانت قد هاجمت سماء مصر في ذلك الوقت. كنت أتوجه إلى فندق "مينا هاوس" ذلك الفندق العريق الذي يقبع تحت سفح هضبة الأهرام لكي أقوم بتغطية مؤتمر عربي إسرائيلي تحت رعاية أمريكية لبحث مستقبل مدينة القدس المحتلة.

 وبالرغم من أن المؤتمر لم يكن يعقد بشكل رسمي، إلا أن المؤتمرين حرصوا على سرية تفاصيل ما يجري داخل أروقة الاجتماعات، وهو ما توقعته من قبل بسبب حساسية القضية لجميع الأطراف. وبالنسبة لأي صحفي يعمل في المجال السياسي، فإن هذا النوع من التغطيات الصحفية يعد الأفضل، حيث إنه يتيح فرصة أفضل لتحقيق انفرادات على عكس تلك الأحداث العامة العادية التي يحتشد وراءها جموع من الصحفيين، والتي تسفر في النهاية عن خبر أو تحقيق عادي مكرر في كل الصحف، ولا يفرق بين واحد والآخر منهم سوى حجم وشكل حروف الطباعة من صحيفة لأخرى! وبالرغم من ذلك، فإنني لم أكن أشعر بأي قدر من الإثارة في ذلك الصباح ربما بسبب تلك الجرعات العالية من الإثارة التي تعاطيتها على مدار شهور قضيتها في تغطية حرب البوسنة، والتي -كما قلت- كنت في إجازة منها في ذلك الوقت. لم أكن أدري في ذلك الصباح أنني على وشك أن أجري مقابلة صحفية تعد واحدة من أكثر المقابلات الصحفية التي أجريتها إثارة، ومن أنها –المقابلة- ستكون بداية خيط يقودني إلى ذلك العالم الغامض السري للمخابرات الإسرائيلية!

عندما وصلت إلى الفندق، صادفت أحد أصدقائي وهو دبلوماسي أجنبي كان مشاركا في فاعليات المؤتمر فأعطاني فكرة عن جدول أعماله والشخصيات المشاركة فيه، واتفقنا على اللقاء بعد انتهاء جلسة العمل الأولى في المؤتمر لمزيد من المناقشات.

امتدت الجلسة -على غير المتوقع- إلى ما يقرب من الساعتين، فرحت أقتل الوقت بالتمشية في ذلك الدهليز الذي يتوسط قاعات الاجتماعات في الفندق، متأملا ديكوراته البديعة. فجأة انفتح باب قاعة الاجتماعات لكي يخرج رجل ذو ملامح أوروبية تشير إلى عمر تجاوز الستين.

اقتربت من الرجل وسألته عن السبب في تأخر الاجتماع وذلك بعد أن عرفته بصفتي المهنية، فقال إن الاجتماع على وشك الانتهاء، وذلك قبل أن يتوقف سائلا إياي: "...ولكن ألا تدرك أن الاجتماعات ليست للنشر...؟!". قلت له: "...ولكن حضوري وسعيي للإحاطة بما يدري ليس بالضرورة بهدف النشر، ولكن هل يمكنني أن أتشرف بمعرفتك...؟".

تفرس الرجل في وجهي برهة قبل أن يقول إن اسمه "شوموئيل توليدانو"، وإنه زعيم أكبر جماعة ضغط سياسية في إسرائيل وهي تضم كبار ضباط الجيش من الاحتياط والمتقاعدين. غمغمت بصوت منخفض -فوجئت بأنه سمعه- قائلا: "... وبالطبع، أنت ضابط مثلهم...". ابتسم الرجل وهو يسألني: "...هل لديك مانع في ذلك؟!". قلت: "سيان، فأعتقد أن الجميع لديكم قد خدم في الجيش أو لايزال... المهم أنك لن تتكلم بسبب طبيعة العسكريين الكتومة.." قال الرجل: "هذا يعتمد على ما ترغب في معرفته بالضبط!!"، وأحسست بأن الرجل يرغب في الحديث سواء عن جماعة الضغط التي يتزعمها، أو عن الاجتماعات، فبادرته: "متى؟ وأين؟" قال: "سأنتظرك في الساعة السادسة مساء اليوم أمام مكتب الاستقبال، وذلك قبل أن يعاود الدخول في قاعة الاجتماعات بعد أن انتهى من تدخين سيجارته التي خرج لتدخينها".

في السادسة مساء بالضبط ذهبت إلى مكتب الاستقبال، فوجدت الرجل منتظرا، فاضطررت للاعتذار مؤكدا له بأن ساعتي تشير إلى السادسة تماما، إلا أنه طمأنني قائلا: "لا تنزعج، فإنها مجرد عادة قديمة لم أتخلص منها بعد وهي أن أحضر مبكرا عن موعدي". ابتسمت متعجبا، فابتسم هو الآخر مرددا: "مجرد عادة!" جلسنا وقد اصطفت أمامي أدوات القهوة، في حين اكتفى هو بشرب النبيذ، وهو يشرح لي نظام عمل جماعات الضغط السياسية في إسرائيل والذي يقترب كثيرا من نظيره في الولايات المتحدة الأمريكية. أخذ الرجل يتحدث بدون أن أقاطعه حتى انتهزت فرصة إنهماكه بصب كأس من النبيذ، فقاطعته لكي يدور الحوار التالي:

- يبدو أن الموضوع مهم، ناهيك عن تشويقه، فإذا كان الأمر كذلك، فإنه من المناسب أن نعرف القراء بك وبتاريخك...

توليدانو: هل تعتقد ذلك؟! "قالها الرجل وهو يتفرس في وجهي بحدة لم تتناسب مع ما لاح لي كشبح ابتسامة على وجهه!!" وقد تشاغلت عن الإجابة على سؤاله الذي بدا غريبا بتغيير شريط التسجيل. وبعد فاصل من السعال من جانبه، بدأ الرجل في الحديث عن نفسه ولسانه يتثاقل بفعل الخمر قائلا:

أنا "شوموئيل توليدانو" ولدت في عام 1929 في منطقة الرملة بالقرب من تل أبيب. أصولي ينم عنها اسمي، فأنا أنحدر من عائلة يهودية كانت تقطن منذ مئات السنين في مدينة طليطلة في الأندلس تحت حكم الخلافة الإسلامية، وذلك قبل أن نفر من اضطهاد الملكة "إيزابيلا القشتالية" التي أسقطت دولة الخلافة الإسلامية في الأندلس لكي تتفرق العائلة في العديد من البلدان ومن بينها فلسطين حيث ولدت أنا.

تاريخ حافل، ولكن ماذا عن تاريخك الشخصي أنت؟ ماذا كنت تعمل قبل أن تتزعم جماعة الضغط السياسية التي تضم العسكريين تلك؟

توليدانو: كنت أعمل ضابطا في المخابرات الإسرائيلية... نعم، كنت ضابطا في جهاز الموساد. "قالها الرجل ببساطة شديدة، قبل أن يلقي بمحتوى كأس النبيذ في جوفه، ولكي يبادرني بسؤاله: أمازلت ترغب في استكمال الحديث؟!"

وساد صمت لمدة ثوان، فقد أخذني الرجل على حين غرة. وبالنسبة لمن لم ير في حياته ضابطا للمخابرات يصرح بشكل مباشر بأنه ضابط في المخابرات، ناهيك عن كونه ضابطا في مخابرات دولة كانت في حالة حرب معنا حتى وقت قريب نسبيا، إضافة إلى كون هذا الجهاز هو الموساد تحديدا، فإن رد الفعل الهادئ الذي ظهر على وجهي استلزم مجهودا كبيرا من جانبي!! وبدلا من أن أؤكد له أن تاريخه الشخصي لن يدفعني لأن أتوقف عن حواري معه، بادرته بالسؤال عن التاريخ الذي التحق به بخدمة الموساد؟ ضحك الرجل طويلا قبل أن يقول إنه يظن في بعض الأوقات بأنه ولد من بطن أمه ضابطا في المخابرات، ولكي يكون تحديدا ضابطا في الموساد، ثم استطرد قائلا: "لقد التحقت بالخدمة كضابط مخابرات إسرائيلي قبل قيام دولة إسرائيل بعامين تقريبا أي عام 1946، وكنت في ذلك الوقت مراهقا في سن الـ17، ولعلي بذلك أكون أصغر ضابط مخابرات في تاريخ هذه الأجهزة في العالم. وللحديث بقي
  • Currently 75/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
25 تصويتات / 244 مشاهدة
نشرت فى 14 مايو 2005 بواسطة anbaa1

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

647,021