يوميات مراسل حربي داخل الموساد!
(1)

 

اعترافات قادة مخابرات إسرائيل لصحفي مصري!!
البداية...

يـحـيى غـانـم
مدير مكتب الأهرام بجنوب إفريقيا

 
 

في البداية، أود أن أستسمح كلا من الدكتور "نبيل فاروق"، وجمهور قرائه العريض في أن أدلف إلى عالم هو -الدكتور نبيل فاروق- الأقدر عليه، ألا وهو عالم المخابرات السري الغامض. وإذا جاز لي القول، فإنني أؤكد أنني سأحاول أن أكون ضيفا ليس ثقيلا على ساحته المثيرة، وذلك من خلال عمل صحفي استغرق مني سنوات، وأتاح لي الاقتراب والاحتكاك بقيادات للمخابرات الإسرائيلية وبعض من عملائها، وهو الأمر الذي بدأ بمقابلة مثيرة غير متوقعة تحت سفح هضبة الأهرام، وذلك قبل أن يدفعني الموضوع لمتابعته في إسرائيل، ناهيك عن بعض عواصم الدول الأوروبية! فبعد كل محطة كنت أدخلها للتزود بمعلومات من إحدى الشخصيات التي لها صلة بهذا العالم السري، كنت أفاجأ بمحطة أخرى تلوح لي من بعد وتحتوي على المزيد من المعلومات التي تستحق عناء السعي للوصول إليها. وبالطبع، فإن البحث والتقصي وراء مثل هذه المعلومات من مصادرها الحية ليس بالعمل الهين ولا السهل الميسور، وذلك لعدة أسباب أذكر منها على سبيل المثال وليس الحصر:

1. نوعية الشخصيات التي تحمل هذه المعلومات ليست بالشخصيات العادية، ناهيك عن كونها مصادر يعد الوصول إليها في منتهى الصعوبة بسبب حساسية المناصب "المخابراتية – الأمنية" التي كانت تشغلها لفترات طويلة. تلك المناصب التي جعلتها تحمل معلومات وأسرار في منتهى الخطورة.

2. جميع هذه الشخصيات تقيم خارج حدود البلاد، وبالتالي، فإن اللقاءات كانت تجب أن تتم في بلادها هي، حيث رفضت هذه الشخصيات إجراء المقابلات عبر التليفون أو أجهزة الفاكس. فباستثناء اللقاء الأول المصادفة الذي تم في فندق ميناهاوس في القاهرة، فإن جميع هذه المقابلات تمت خارج الحدود، وهو الأمر الذي يمثل مشقة وكلفة عاليتين.

3. من القواعد المهمة لإجراء لقاءات صحفية ناجحة ومثمرة ضرورة دراسة شخصية المصدر ضيف المقابلة، وهو ما يتطلب الإحاطة بصفاته الشخصية والنفسية والمهنية. فإذا كان الأمر يتعلق بشخصيات كانت مسئولة لفترات طويلة عن عمل سري مخابراتي، فإن مثل هذه الإحاطة تصبح أمرا بالغ الصعوبة.

4. عملية استقاء المعلومات من المصدر -أيا كان المصدر- هي عملية معقدة وصعبة تدرس في كليات ومعاهد الصحافة. وتزداد تلك العملية صعوبة إذا كانت علاقتك الإنسانية بالمصدر حديثة العهد، فما بالك إذا كانت هذه الشخصيات من كبار رجال المخابرات الذين تدرس أعمالهم في معاهد المخابرات في العالم؟!

5. من المعروف أن المصدر -أيا كان- يشعر في العادة بالتوتر من توجيه الأسئلة إليه، وخاصة إذا ما وضع أمامه جهاز للتسجيل، فما بالك بشخصيات اعتادت أن تستجوب آخرين وهي تضع لهم أجهزة التسجيل سواء كانت ظاهرة أو مخفية؟!

6. بافتراض نجاحك في كل المراحل السابقة، وبأنك جلست بالفعل أمام أحدهم وأقنعته بقبول التسجيل، فإن عملية استنطاقه تبقى مشكلة أخرى، وخاصة إذا كنت تسعى إلى معلومات بعينها، وليس مجرد أية معلومات يرغب هو في أن يحملك إياها. تلك النقطة بالذات التي تعتبر الأهم في كل ما سبق، حيث إنك إذا فشلت فيها فسوف تتحول الجلسة إلى مجرد لقاء علاقات عامة ينجح فيه المصدر "الخاص جدا" في أن يستخدمك كأداة لترويج المعلومات تستهدف إحداث تأثير بعينه.

7. عنصر الزمن، حيث إن معظم هذه المصادر التي كانت أهدافا لي كانت قد طعنت في نهاية السبعينيات من العمر. فإذا ما علمنا أن هذه اللقاءات تستغرق في الإعداد لها شهورا طويلة، عندئذ يمكن معرفة أهمية عنصر الزمن في هذا الصدد. فعلى سبيل المثال، فإن إحدى هذه الشخصيات المهمة التي لم يكن العمل ليكتمل بدون لقائها، توفي صاحبها بعد لقائنا الأول وقبل شهور قليلة من موعد لقائنا الثاني!

8. تبقى -بعد إتمام المقابلات- مشكلة أن المصدر -وخاصة من النوعية التي شملتها تلك الحوارات- لابد وأنها تبث في حواراتها قدرا من التضليل الذي يستهدف إحداث تأثيرات بعينها، ذلك التضليل الذي ينبغي مراجعة العديد من مواضع هذه الحوارات للكشف عنه، وشرحه، وشرح دوافعه لكي يأتي بآثار إيجابية بدلا من الآثار السلبية المستهدفة منه. فبالرغم من أن الخبراء يقدرون أن المخابرات الروسية والتشيكية والفرنسية والأمريكية من أفضل أجهزة المخابرات في العالم في مجال تخطيط وتنفيذ حملات التضليل، إلا أنهم شبه مجمعين -أيضا- على أن جهاز الموساد الإسرائيلي فاق بكثير بعض الدول سابقة الذكر بالرغم من أنها سبقته في هذا المضمار!

ويرجع الخبراء ذلك لعدة أسباب من بينها ومن أهمها أن جهاز الموساد توافر له عدد كبير من الخبراء الأوروبيين اليهود المتميزين في هذا المضمار. ولعل ذلك كان دافعا لنا لكي نورد أمثلة فيما سيتوالى من حلقات لنماذج لمحاولات تضليل حاولت خلالها بعض المصادر بث فكرة معينة -وفي أحيان أخرى أفكار معينة- في أذهان القراء.

لكل هذه الأسباب –وأسباب أخرى– كان لابد من ترتيبات خاصة وطويلة قبل أن أنجز هذا الموضوع. وقد يتساءل البعض عن السبب الذي دفعني لكي أخوض غمار ذلك الموضوع الشائك والصعب في آن واحد؟!

والحقيقة أنه توجد مجموعة من الأهداف، إلا أنني سأكتفي بإيراد بعض منها فقط، وهي:

الهدف الأول: محاولة رؤية الذات من خلال عيون الآخر، وخاصة إذا كان هذا الآخر خصما لك. ففي كثير من الأحيان يكون تقييم الآخر لك، أكثر أهمية من تقييمك أنت لنفسك، سواء كان الأمر يتعلق بجوانب إيجابية أو سلبية فيك.

الهدف الثاني: محاولة تقييم الآخر بشكل مباشر وليس من خلال طرف ثالث، فبالرغم من أهمية الاطلاع على -واستيعاب- تقويمات طرف ثالث للآخر، إلا أنني لاحظت أن معظم –إن لم يكن كل– ما كتب عن المخابرات الإسرائيلية كان عبارة عن ترجمات لأعمال أجنبية -بعضها قيم للغاية-، ناهيك عن أعمال روائية –مفيدة جدا- اختلط فيها قليل من الواقع بكثير من الخيال مراعاة لظروف سرية هذا النوع من العمل المخابراتي. وقد لاحظت إحجاما واضحا عن الاتصال مباشرة بعناصر الأجهزة الأمنية الإسرائيلية لمحاولة عمل تقويم مباشر، يتحكم فيه القائم على الاتصال المصري – العربي بقدر كبير في جانب من جوانب هذا التقويم.

الهدف الثالث: هو محاولة استكشاف أبعاد الحجم الحقيقي لخصم عنيد على درجة عالية من الكفاءة مثل جهاز الموساد الإسرائيلي، إلا أنه ليس خارقا، وذلك من خلال شهادات لكبار مسئوليه.

ومع الصعوبات السابق ذكرها، بالإضافة إلى الأهداف الآنفة، سنحاول الوصول إلى شاطئ الحقيقة، ولكن...

في المقال القادم

  • Currently 45/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
15 تصويتات / 190 مشاهدة
نشرت فى 14 مايو 2005 بواسطة anbaa1

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

647,267