|
أوّل الغيث |
||||
|
على الرغم من السرية والغموض اللذَين اقترنا وارتبطا دوماً في كل الأذهان بعالَم المخابرات والجاسوسية، ومع تصوُّر البعض أنه عالم سرّي محظور تدور أحداثه دوماً خلف أبواب مغلَقة، في صمت تام، وتعتيم بالغ، وسكون ينافس سكون القبور، إلاّ أن عشرات الأقلام قد تجاوزت كل هذا واخترقت جدار الصمت والسرية، ووثبت عبر حاجزالغموض، وحطَّمت كل السكون لتمنحنا عشرات، بل مئات من الكتب والمطبوعات التى تتحدّث عن ذلك العالم الخاص، والخاص جداً!!
وعلى الرغم من انتشار هذا النوع من المؤلَّفات (بكافة صوره) في معظم أنحاء العالم، إلاّ أن نصيب لغتنا العربية منه ما زال محدوداً للغاية، ربّما لصعوبة الحصول على المعلومات، أو التصاريح اللازمة من الجهات الأمنية العُلْيا لنشر بعض العمليات الحقيقية في هذا المضمار، أو لقلّة عدد المهتمّين بمثل هذه الأمور، والمستعدين لبذل الكثير من الوقت والجهد في سبيل استيعابها، أو ربما لحالة التعالي النقدي التى ينظر بها نقاد الأدب لهذا النوع من الكتابات والدراسات، وتعاملهم معها وكأنها مؤلَّفات من الدرجة الثانية أو حتى الثالثة، مهما اكتسبت من شعبية، أو حقَّقت من انتشار. وهذا لا يعني أن مكتباتنا العربية تخلو من هذه النوعية تماماً؛ فلدينا بالفعل عدد من المحاولات، في كل التصنيفات التي وضعناها هنا، وتُعتبر أوَّل محاولة لتقديم عالَم المخابرات والجاسوسية في كتاب مطبوع باللغة العربية هى ذلك الكتاب الذى ظهر في المكتبات ولدى باعة الصحف في بداية الستينات، والذى حمل عنواناً مثيراً، وهو "قصّتى مع الجاسوس". وتحت هذا العنوان كانت هناك عبارة أكثر قوة وإثارة: (أول عملية مخابرات مصرية تُنشَر تفاصيلها كاملة). وفوق هذا وذاك، وفى أعلى يمين الغلاف، كان هناك اسم مثير للاهتمام بحق، وهو اسم المؤلِّف (ماهر عبد الحميد)!
|
نشرت فى 14 مايو 2005
بواسطة anbaa1
عدد زيارات الموقع
647,021
والكتب التى تملأ أرفف المكتبات، وتكتظّ بها صفحات الإنترنت حول عالم الجاسوسية، لا تسير كلها على وتيرة واحدة، أو تخضع لنمط ثابت، وإنما تنقسم إلى عدة أقسام نسبةً إلى طبيعتها، وطبيعة مؤلِّفها، فالمؤلِّف إما أن يكون رجل مخابرات سابق يمتلك خبرة خاصة في هذا المجال، ويقدِّم للقارئ خلاصة خبرته أو رأيه الشخصي في عملية بعينها، أو عدة عمليات شارك فيها بالتخطيط أو التنفيذ أو المتابعة، أو هو عميل لأحد أجهزة المخابرات، خاض تجرِبة جاسوسية شخصية، وحصل على موافقة ذلك الجهاز بنشر بعض تفصيلات تلك التجرِبة، بما لا يخلّ بالأمن القومي لدولته، وبما لا يتعارض مع تقنيات الجهاز الحالية. أو يكون المؤلِّف شخصاً موهوباً، رأى فيه أحد أجهزة المخابرات خامة مناسبة لتقديم أعماله وبطولاته أو تحسين صورته الذهنية، ونشرها على نطاق واسع. أو هو -في كثير من الأحيان- أحد المتابعين لما يُنشَر عن عالَم الجاسوسية والدارسين والمحلّلين له، أو المؤرخين لهذا النوع من الأعمال وهذا الفن الرفيع من فنون الأدب. ويتبقّى في النهاية المؤلِّف الروائي الذى تشبّع بالقراءات عن عالم المخابرات، أو بالمعلومات الخاصة به، على نحو أو آخَر، ليفرز في النهاية عملاً أدبياً روائياً من نتاج خياله المحض، ولكنه دقيق للغاية فيما يخصّ المعلومات والقواعد والأساسيات، مِمّا قد يوحي للقارئ بأنها وقائع حقيقية، مهما بلغت درجة الإثارة أو المبالغة فيها...
لم يكن (ماهر عبد الحميد) اسماً معروفاً في ذلك الحين، أو حتّى نصف معروف، بل ولم يكُن له وجود أساساً في عالم الكتب أو النشر، ولكن الناس اشترت الكتاب...، قرأته، وانبهرت به للغاية! اشترته لأن (ماهر) كانت له شهرة سابقة على صفحات الصحف عندما ارتبط اسمه بعملية جاسوسية، عمل خلالها كجاسوس مزدوج لحساب المخابرات المصرية، ليُوقِع بجاسوس عربي الجنسية، انتقل إلى (مصر) بعد الانفصال، وأعلن إيمانه بالوحدة ليستقرّ في (مصر) ويحصل على امتيازات خاصة استغلها للتجسُّس على الدولة التى أَوَتْه، ونقل أسرارها وأخبارها إلى قلب (إسرائيل). 

ساحة النقاش