يعني إيه "عِلْمانية" و"عِلْماني" ؟!

 
 

كثيرا ما نسمع كلمة "علمانية" أو "علماني" لوصف حكم أو شخص في الصحف أو البرامج التلفزيونية دون أن نعرف معناها الحقيقي، ولأنها كلمة خادعة فقد يفهم البعض معناها من نصف الكلمة الأول "علم" ويظن أنها مشتقة من "العلم" وبالتالي فالعلماني هو الشخص الذي يفكر تفكيرا علميا حديثا"!؟"، ولكن الصحيح أن المعنى الحقيقي التاريخي للكلمة هو "لا ديني" بمعنى "الفصل بين الدين والدنيا أو الدولة "وعدم الاعتداد بأي دور للدين في شئون الحكم أو الدنيا وقصره فقط على دور العبادة.

وكلمة "علمانية" هي ترجــمــة لكلمة (Secularism) في الإنجليزية، أو (Secularite) بالفرنسية، وهي كلمة لا صلة لها بلفظ "العلم" ومشتقاته على الإطلاق، والترجمة الصحيحة للكلمة هي "اللادينية" أو "الدنيوية"، ولهذا تعرف دائرة المعارف البريطانية مادة (Secularism) بأنها: "حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس وتوجيههم من الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بهذه الدنيا وحدها".

والتعبير الشائع في الكتب الإسلامية المعاصرة لمعنى "العلمانية" هو "فصل الدين عن الدولة" وهو في الحقيقة لا يعطي المدلول الكامل للعلمانية الذي ينطبق على الأفراد وعلى السلوك الذي قد لا يكون له صلة بالدولة، ولو قيل إنها "فصل الدين عن الحياة" لكان أصوب، ولذلك فإن المدلول الصحيح للعلمانية هو "إقامة الحياة على غير الدين".

نشأة العِلْمانية:
ويرجع تاريخ ظهور هذا المصطلح إلى العصور الوسطى الكنسية بهدف إبعاد قساوسة أوروبا عن التدخل في شئون الحكم، حيث ظهرت تلك الأفكار كنتيجة لأعمال الكنيسة حيئنذ التي بلغت حدا جعل الناس يمقتون من تحالف القساوسة مع الحكام الظالمين ومحاولة جعل أعمال الحكام شرعية، الأمر الذي جعل ظهور العلمانية مهربا من تدخلات الكنيسة في الحياة ونصرة الحكام الظلمة.

وبالتالي فهي اصطلاح لا صلة له بكلمة العلم الوضعي والعقل، وغرضها مراعاة المصلحة بعيدا عن الدين وتعني في جانبها بالذات اللادينية في الحكم، وقد ظهرت في أوروبا منذ القرن السابع عشر وانتقلت إلى الشرق والعالم العربي والإسلامي في بداية القرن التاسع عشر وانتقلت بشكل أساسي إلى مصر وتركيا وإيران ولبنان وسوريا ثم تونس ولحقتها العراق في نهاية القرن التاسع عشر، أما بقية الدول العربية فقد انتقلت إليها في القرن العشرين، وقد اختيرت كلمة "علمانية"؛ لأنها أكثر تضليلا من كلمة "لادينية".

فبعد عدة عصور تركزت فيها السلطة الدينية في يد الكنيسة والسلطة المدنية في يد الدولة، جمعت الكنيسة السلطتين معا فضمت ما لقيصر إلى ما للكنيسة واللاهوت، وتحت حكم "البابوات الأباطرة" أضفت الكنيسة قداسة الدين وثباته على المتغيرات الدنيوية والاجتماعية -أفكارا وعلوما ونظما- فرفضت وحرمت وجرمت كل ما لا وجود له في الأناجيل، وبذلك دخلت أوروبا عصورها المظلمة، الأمر الذي استنفر رد الفعل العلماني الذي سعى لتطرف مقابل بتحرير الدنيا من كل علاقة لها بالدين.

وقد استخدم مصطلح Secular لأول مرة مع توقيع صلح وستفاليا "عام 1648م"-الذي أنهى أتون الحروب الدينية المندلعة في أوربا- وبداية ظهور الدولة القومية الحديثة "أي الدولة العلمانية" مشيرًا إلى "علمنة" ممتلكات الكنيسة بمعنى نقلها إلى سلطات غير دينية أي لسلطة الدولة المدنية. وقد اتسع المجال الدلالي للكلمة على يد جون هوليوك (1817-1906م) الذي عرف العلمانية بأنها: "الإيمان بإمكانية إصلاح حال الإنسان من خلال الطرق المادية دون التصدي لقضية الإيمان سواء بالقبول أو الرفض".

وما جعل هذا المصطلح ينتشر في الغرب أنه يتفق مع الديانة المسيحية في مسألة فصل الدين عن الدولة، حيث لقيصر سلطة الدولة ولله سلطة الكنيسة. وقد انتشرت هذه الدعوة في أوروبا وعمت أقطار العالم بحكم النفوذ الغربي وأدت ظروف كثيرة قبل الثورة الفرنسية سنة 1789م وبعدها إلى انتشارها الواسع وتبلور منهجها وأفكارها على النحو التالي:
• تحول طائفة من رجال الدين المسيحيين في العصور الوسطى إلى طواغيت ومحترفين سياسيين ومستبدين تحت ستار الإكليريوس وبيع صكوك الغفران.
• وقوف الكنيسة ضد العلم وهيمنتها على الفكر بتشكيل محاكم التفتيش واتهام الكثير من العلماء بالهرطقة لمجرد أنهم قالوا كلاما علميا يخالف ما يروجه القساوسة من خرافات وهناك حالات كثيرة لهذه المحاكم جعلت الغربيين يكفرون بالدين ويدعون إلى اللادينية أو "العلمانية" والفصل بين ما هو داخل الكنيسة وخارجها مثل كوبرنيكوس الذي نشر عام 1543م كتاب "حركات الأجرام السماوية"، وقد حرمت الكنيسة هذا الكتاب، ومثل الفيلسوف "سبينوزا" صاحب مدرسة النقد التاريخي الذي كان مصيره الموت مسلولاً.

إخضاع الوحي للعقل!!؟
وقد ظهرت دعوات مناهضة للكنيسة والدين وتمادت بشكل كبير لحد مطالبة بعض المفكرين في العصور الوسطى مثل "جون لوك" بإخضاع الوحي للعقل عند التعارض، أخذ العلمانيون يدعون إلى تحرر العقل وإضفاء صفات الإله على الطبيعة، وساعدهم على ذلك ظهور الشيوعية التي تنكر الدين وتصف الظواهر الإلهية الكونية بأنها "الطبيعة".

وقد نتج عن هذه الثورة العِلْمانية الكبرى تحول كبير في أوروبا تمثل في:
- الثورة الفرنسية: وقد ظهرت نتيجة لهذا الصراع بين الكنيسة وبين الحركة الجديدة وكانت ترفع شعارات "لا للرجعية" في إشارة للكنيسة ورجال الدين، وكانت ولادة الحكومة الفرنسية سنة 1789م كأول حكومة لادينية تحكم باسم الشعب.

- ظهور فلاسفة مثل: "جان جاك روسو" سنة 1778 له كتاب "العقد الاجتماعي" الذي يعد إنجيل الثورة، و"مونتسكو" وله "روح القوانين"، و"سبينوزا" الذي يعتبر رائد العلمانية باعتبارها منهجا للحياة والسلوك وله رسالة في اللاهوت والسياسة، و"فولتير" صاحب القانون الطبيعي كانت له رسالة عن أن الدين في حدود العقل وحده سنة 1804م، ثم "وليم جودوين" 1793م الذي دعا إلى عدالة سياسية علمانية صريحة.

- نظربة التطور: ظهر كتاب "أصل الأنواع" سنة 1859م لـ"تشارلز دارون" الذي يركز على قانون الانتقاء الطبيعي وبقاء الأنسب وقد جعلت الجد الحقيقي للإنسان جرثومة صغيرة عاشت في مستنقع راكد قبل ملايين السنين، والقرد مرحلة من مراحل التطور التي كان الإنسان آخرها، وهذه النظرية أدت الى انهيار العقيدة الدينية.

- فرويد: اعتمد الدافع الجنسي مفسرا لكل الظواهر والإنسان في نظره حيوان جنسي.

- كارل ماركس: صاحب التفسير المادي للتاريخ الذي يؤمن بالتطور الحتمي وهو داعية الشيوعية ومؤسسها والذي اعتبر الدين أفيون الشعوب.

كيف دخلت "العِلْمانية" العالم الإسلامي؟
دخلت العلمانية مصر مع حملة "نابليون بونابرت"، وقد أشار إليها "الجبرتي" في الجزء المخصص للحملة الفرنسية على مصر وأحداثها -بعبارات تدور حول معنى العلمانية وإن لم تذكر اللفظة صراحة- أما أول من استخدم هذا المصطلح "العلمانية" فهو "إلياس بقطر" في معجم عربي فرنسي من تأليفه سنة 1827 م. وأدخل الخديوي "إسماعيل" القانون الفرنسي سنة 1883م، وكان هذا الخديوي مفتونا بالغرب، وكان أمله أن يجعل من مصر قطعة من أوروبا.

وتشير المراجع التاريخية عن نشأة العلمانية في الوطن العربي، أن بوادر التبشير بها بدأت على أيدي مفكرين من المسلمين والمسيحيين ممن هاجروا إلى أوروبا لطلب العلم في القرن التاسع عشر وعادوا إلى بلدانهم مقلدين للغرب ذائبين في حضارته داعين إلى قيمه، وقد ساعدهم على ذلك أن العالم العربي كان يعج بالتخلف والابتعاد عن الدين الإسلامي العظيم، حيث إن كثيرا من العادات القبلية والقيم الجاهلية ألبست لباس الإسلام وجُعِلت جزءا من الإسلام وصارت تعكس وجها مشوها لهذا الدين، في وقت كان فيه معظم البلدان العربية يعيش تحت سيطرة واستغلال الاحتلال الأجنبي. واقترن هذا التوجه ببزوغ تيار تغريبي جديد في العالم العربي والإسلامي استغل مؤسسات الطباعة ووسائل الإعلام المقروء والمسموع وكان من ثماره ظهور صحف ومجلات وأحزاب وجمعيات علنية وسرية. وكان أبرز ما طرحه هذا التيار فكرة "فصل الدين عن السياسة" على غرار ما سبق في العالم الغربي.

العِلْمانية الجزئية والعِلْمانية الشاملة
ويبدو أن تصادم هذه العلمانية مع طبيعة الدين الإسلامي وعدم وجود إقبال بين العرب والمسلمين على هذه "اللادينية" دفع البعض للتمييز بين نوعين من العلمانية في محاولة لكسر المعارضة لها هما: العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة.

1 - العِلْمانية الجزئية: هي رؤية جزئية للواقع لا تتعامل مع الأبعاد الكلية والمعرفية، ومن ثم لا تتسم بالشمول، وتذهب هذه الرؤية إلى وجوب فصل الدين عن عالم السياسة، وربما الاقتصاد وهو ما يُعبر عنه بعبارة "فصل الدين عن الدولة"، ومثل هذه الرؤية الجزئية تلزم الصمت حيال المجالات الأخرى من الحياة، ولا تنكر وجود مطلقات أو كليات أخلاقية أو وجود ميتافيزيقا وماورائيات "غيبيات يعني"، ولهذا يسمونها "العلمانية الأخلاقية" أو "العلمانية الإنسانية"!.

2 - العِلْمانية الشاملة: وهي رؤية شاملة للواقع تحاول بكل صرامة تحييد علاقة الدين والقيم المطلقة والغيبيات بكل مجالات الحياة، ويتفرع عن هذه الرؤية نظريات ترتكز على البعد المادي للكون وأن المعرفة المادية هي المصدر الوحيد للأخلاق وأن الإنسان يغلب عليه الطابع المادي لا الروحي، ويطلق عليها أيضاً "العلمانية الطبيعية المادية" نسبة للمادة والطبيعة.

وتوضيحا لهذا التقسيم، يرى د. "وحيد عبد المجيد" الباحث المصري أن العلمانية "في الغرب" ليست أيديولوجية -منهج عمل- وإنما مجرد موقف جزئي يتعلق بالمجالات غير المرتبطة بالشئون الدينية.

ويميز د. "وحيد عبد المجيد" بين "العلمانية اللادينية" -التي تنفي الدين لصالح سلطان العقل- وبين "العلمانية" التي نحت منحى وسيطًا، حيث فصلت بين مؤسسات الكنيسة ومؤسسات الدولة مع الحفاظ على حرية الكنائس والمؤسسات الدينية في ممارسة أنشطتها.

 

  • Currently 90/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
30 تصويتات / 203 مشاهدة
نشرت فى 11 مايو 2005 بواسطة anbaa1

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

647,243