بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه، أما بعد:
فإن العبد لا يخلو من الذنوب والمعاصي، ولا ينقطع عن نوع غفلة تصيبه من وقت لآخر، وتلك سنة الله في ولد آدم؛ كما روى أنس أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال:" كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون" [أخرجه الترمذي (4/659)، وحسنه الشيخ الألباني].
ولذلك فقد شرع الله لنا الاستغفار، وهو منة عظيمة من الله تعالى، يجبر بها العبد ما كان من نقصه واعتدائه، وذنبه واجترائه، يرفع الله بها درجته بعد سهو، ويقبل عمله بعد هجر.
ولكن الاستغفار كأي عبادة لابد من تحقيق معناها الشرعي الذي أراده الله، حتى تؤتي ثمارها التي وعد بها الله، والعبد إذا لم يجد ما وعد الله به من ثمار الاستغفار؛ كانشرح صدر، وسعة رزق، وبركة في الأهل والولد والمال، وتيسير وتوفيق، فبيتهم نفسه، وليعلم أن الخلل منه، فإن الله لا يخلف الميعاد، وليعلم يقينا أنه أتى بالعبادة على غير وجهها المطلوب، وأنه إن فتش في نفسه سيعلم موطن الخلل. وهذا كلام نفيس جدا من شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية رحمه الله تعالى، يتكلم فيه عن الاستغفار، وحقيقته وسبيله وثمرته، بكلمات يسيرات عظيمات، لا تستغرب من مثله يرحمه الله، فيقول:
" الاستغفار يخرج العبد من الفعل المكروه إلى الفعل المحبوب، من العمل الناقص إلى العمل التام، ويرفع العبد من المقام الأدنى إلى الأعلى منه والأكمل؛ فإن العابد لله والعارف بالله في كل يوم بل في كل ساعة بل في كل لحظة يزداد علما بالله، وبصيرة في دينه وعبوديته، بحيث يجد ذلك في طعامه وشرابه، ونومه ويقظته، وقوله وفعله، ويرى تقصيره في حضور قلبه في المقامات العالية، وإعطائها حقها، فهو يحتاج إلى الاستغفار آناء الليل وأطراف النهار؛ بل هو مضطر إليه دائما في الأقوال والأحوال، في الغوائب والمشاهد؛ لما فيه من المصالح وجلب الخيرات، ودفع المضرات، وطلب الزيادة في القوة في الأعمال القلبية والبدنية اليقينية الإيمانية. وقد ثبتت دائرة الاستغفار بين أهل التوحيد، واقترانها بشهادة أن لا إله إلا الله من أولهم إلى آخرهم، ومن آخرهم إلى أولهم، ومن الأعلى إلى الأدنى.
وشمول دائرة التوحيد والاستغفار للخلق كلهم - وهم فيها درجات عند الله ولكل عامل مقام معلوم. فشهادة أن لا إله إلا الله بصدق ويقين تذهب الشرك كله دقه وجله، خطأه وعمده أوله وآخره، سره وعلانيته، وتأتي على جميع صفاته وخفاياه ودقائقه.
والاستغفار يمحو ما بقي من عثراته، ويمحو الذنب الذي هو من شعب الشرك؛ فإن الذنوب كلها من شعب الشرك، فالتوحيد يذهب أصل الشرك، والاستغفار يمحو فروعه، فأبلغ الثناء قول: لا إله إلا الله. وأبلغ الدعاء قول: أستغفر الله. فأمره بالتوحيد والاستغفار لنفسه ولإخوانه من المؤمنين. وقال: إياك والنظر في كتب أهل الفلسفة الذين يزعمون فيها أنه كلما قوي نور الحق وبرهانه في القلوب خفي عن المعرفة، كما يبهر ضوء الشمس عيون الخفافيش بالنهار. فاحذر مثل هؤلاء، وعليك بصحبة أتباع الرسل المؤيدين بنور الهدى وبراهين الإيمان، أصحاب البصائر في الشبهات والشهوات، الفارقين بين الواردات الرحمانية والشيطانية، العالمين العاملين { أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون }.
وقال: التوبة من أعظم الحسنات، والحسنات كلها مشروط فيها الإخلاص لله، وموافقة أمره باتباع رسوله، والاستغفار من أكبر الحسنات، وبابه واسع، فمن أحس بتقصير في قوله أو عمله أو حاله أو رزقه أو تقلب قلب؛ فعليه بالتوحيد والاستغفار، ففيهما الشفاء إذا كانا بصدق وإخلاص.
وكذلك إذا وجد العبد تقصيرا في حقوق القرابة والأهل والأولاد والجيران والإخوان، فعليه بالدعاء لهم والاستغفار. قال حذيفة بن اليمان للنبي صلى الله عليه وسلم:" إن لي لسانا ذربا على أهلي. فقال له: أين أنت من الاستغفار ؟ إني لأستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة ".
وسئل - رحمه الله - : عن قوله : "ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم والليلة سبعين مرة ". هل المراد ذكر الاستغفار باللفظ؟ أو أنه إذا استغفر ينوي بالقلب أن لا يعود إلى الذنب؟ وهل إذا تاب من الذنب وعزم بالقلب أن لا يعود إليه، وأقام مدة ثم وقع فيه، أفيكون ذلك الذنب القديم يضاف إلى الثاني؟ أو يكون مغفورا بالتوبة المتقدمة؟ وهل التائب من شرب الخمر ولبس الحرير يشربه في الآخرة، ويلبس الحرير في الآخرة؟ والتوبة النصوح ما شرطها؟
فأجاب :
الحمد لله، بل المراد الاستغفار بالقلب مع اللسان، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، كما في الحديث الآخر " لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار "، فإذا أصر على الصغيرة صارت كبيرة، وإذا تاب منها غفرت. قال تعالى:{ والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم } الآية.
وإذا تاب توبة صحيحة غفرت ذنوبه، فإن عاد إلى الذنب فعليه أن يتوب أيضا. وإذا تاب قبل الله توبته أيضا. وقد تنازع العلماء في التائب من الكفر، إذا ارتد بعد إسلامه ثم تاب بعد الردة وأسلم، هل يعود عمله الأول؟
على قولين، مبناهما أن الردة هل تحبط العمل مطلقا؟ أو تحبطه بشرط الموت عليها ؟ فمذهب أبي حنيفة ومالك أنها تحبطه مطلقا، ومذهب الشافعي أنها تحبطه بشرط الموت عليها.
والردة ضد التوبة، وليس من السيئات ما يمحو جميع الحسنات إلا الردة، وقد قال تعالى: { توبوا إلى الله توبة نصوحا }قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: { توبة نصوحا } أن يتوب ثم لا يعود، فهذه التوبة الواجبة التامة.
ومن تاب من شرب الخمر ولبس الحرير، فإنه يلبس ذلك في الآخرة، كما جاء في الحديث الصحيح: "من شرب الخمر ثم لم يتب منها حرمها"، وقد ذهب بعض الناس كبعض أصحاب أحمد: إلى أنه لا يشربها مطلقا وقد أخطئوا الصواب الذي عليه جمهور المسلمين" . [ مجموع فتاوى شيخ الإسلام (11/696-700)].
يقول تعالى واصفا المؤمنين: { وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (136)}.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم



ساحة النقاش