الثقافة العربية والعولمة <!-- #EndEditable -->
<!-- #BeginEditable "body" --> 

إن الثقافة بكل ماتتضمنه من معان ودلالات، هي الموضوع الأكثر أهمية وحضوراً في عصر العولمة، فإذا كانت العولمة مفردة تعبر عن ظاهرة كونية مجردة، ومشروع للأمم القوية، فإن للثقافة فيها مقام الأولوية في الاهتمام الإنساني، خصوصاً لدى الأمم المتخلفة تقنياً ومعرفياً عن عصر العولمة، وفي الصدارة منها الأمة العربية، ومن هذا التأكيد نحاول تقديم رؤية أولية لموضوع قضيتنا المحددة بالعنوان بغية التوصل إلى إطار معرفي يمكن من تحديد تحديات العولمة. واستشراف مؤشرات الاستجابة لها في الثقافة العربية، فماذا في تحديات العولمة؟ وماذا عن استجابة الثقافة العربية لها؟
إن العولمة كظاهرة تفرض على أية ثقافة تحديات مختلفة تماماً عما تفرضه عليها مشاريع الثقافات الأخرى، وعليه يكون التمييز بينهما ضرورياً لتحديد الاستجابة وشروط إبداعها لأن تحديات الظاهرة تتطلب استجابة باتجاه إثبات الوجود، بينما تحديات مشروع الآخر تتطلب استجابة باتجاه بناء مقومات التكافؤ والشراكة في حركة هذا الوجود وعلاقاته، وعليه فإن تحديات مشاريع الثقافات الغربية للعولمة تتطلب من الثقافة العربية استجابة متحررة من رد الفعل والانفعال، ومنطلقة مما يترتب على استجابتها للظاهرة الكونية، حتى تكون قادرة على الشراكة والإسهام المتميز في دائرة التفاعل الحضاري بين الثقافات الإنسانية، ومعنى هذا أن تحديات العولمة على وجه العموم تفرض على الثقافة العربية استجابة قابلة للحركة في اتجاهين:
الاتجاه الاول: تحديد موقع الوجود على خريطة العولمة، وإثبات تميزه ببناء مقومات قدرته على تفاعل المتكافئ والشراكة المبدعة.
الاتجاه الثاني: توظيف متاحات الظاهرة في مشروع الانفتاح على ثقافات الأمم الأخرى والحفاظ على الهوية والخصوصية بإيجابية الحوار معها.
إن متاحات ظاهرة العولمة هي إمكانات مشاعة وقابلة للتوظيف إن توفرت المعرفة بها والإدارة لتوظيفها، وهذا هو التحدي الذي تواجهه الثقافة العربية، وتلك هي شروط الاستجابة له، غير أن الأمر ليس باليسر الذي توحي به العبارة السابقة، لأن شيوع المتاح وسهولة توظيفه يجعلانه وسطاً قابلاً للتنافس بين الثقافات، وخاضعاً لمزايا وشروط الأسبقية في الوصول إليه وحسن توظيفه وتنميته. وعلى سبيل المثال، فإن متاحات التقنية في الاتصال والتسارع الكمي والنوعي في حركة المعلومات يتطلبان سرعة متساوية بين تمثل الاستقبال وإبداع الإرسال، فالجديد في ظاهرة العولمة هو التسارع الذي ألغى ماكان سائداً قبلها من وسطية بين عمليتي الاستقبال وإبداع الإرسال والاستقبال، وماكان متاحاً في هذه الوسطية من فرصة كافية للقيام بعمليات التجميع والتحليل، والفرز والتصنيف والتحكم والاختيار، ومعنى هذا أن المنع والسماح، والقبول والرفض، استراتيجية لم تعد متاحة ولا ممكنة في ظل ظاهرة العولمة، ووجه التحدي هنا أن تحديد المتاحات وتحويلها إلى إمكانات موظفة وقابلة للنماء والتطوير يتطلب من الثقافة العربية وعياً صادقاً بالذات، وتصوراً مطابقاً لتميزاتها القومية وخصوصياتها الحضارية، وهذا ماتقوم به صياغة الذات العربية صياغة ثقافية مواكبة لتطورات العصر، وملبية لاحتياجات التثاقف المتكافئ مع الأمم الأخرى، وعملية الصياغة هذه تعني أن تجدد الأمة العربية ثقافتها تجديداً يعبر عن هويتها الحضارية ويحدد وجودها في خريطة العولمة ويمكنها من التكافؤ مع الغير في كل مستويات التثاقف الإنساني المعاصر، وشروط النجاح في هذه العملية تجتمع في ثلاثة: الحرية والإبداع والانفتاح، بحيث تكون إشاعة الحرية مقدمة لتأصيل ملكات الإبداع الفردي والجماعي، وأساس لإقامة منظومة الانفتاح الحر والمبدع علىالذات في أصالتها وعلى الآخر في تطوره، وعلى العصر في تحولاته وتقدمه.
إن تجدد الثقافة العربية لن يكون ممكناً ولا ميسوراً بمعزل عن معرفة حقيقة وعلمية بالعصر وثقافاته، لأن حرية الذات تعني في الوقت نفسه حرية الآخر، وحقها في تعريف الغير بها مساو تماماً لحق الغير في تعريفها به، وهذا ما اشترطناه سابقاً لإنجاح التجدد الثقافي بعامل الانفتاح الحر والمبدع فالتثاقف ليس امتلاكاً لأدوات التقنية الاتصالية ولكنه حركة متكاملة في الخطة العلمية الهادفة إلى جعل الثقافة صناعة قومية يتوازن فيها الاستهلاك والإنتاج، ووجه التحدي هنا أن العولمة تظاهرة ومشروع للآخر، جعلت الثقافة صناعة محورية تتوقف عليها كل مناشط السوق إنتاجاً واستهلاكاً، فالعولمة أمريكياً مشروع ثقافي يسعى إلى فرض النمط الأمريكي على العالم حتى يحقق بهيمنته سوقاً رائجة لبضائعه ومنتجاته، وحماية مجانية لمصالح حكومته وشركاته، وهكذا تحدد العولمة للتثاقف آلية تبدأ من صناعة الثقافة وتعود إليها.
إذا كانت الرؤية العربية للعولمة ملتبسة بالمخاوف والانبهار، وكان الاندماج الثقافي مستبعداً، والانغلاق على الذات مستحيلاً، فإن هذا يحتم استجابة ثقافية محكومة بالتفاعل ومشروطة بالانفتاح، فالهوية التاريخية للثقافة العربية تدل على إمكانية تجددها في عصر العولمة، وهو التجدد المشروط بإبداع الإنسان العربي لذاته وتميزها، وإذا غابت الثقافة العربية عن موقعها في خريطة العولمة، فإن محاولات الهيمنة عليها وإلحاقها بالثقافات الغربية ستغير فيها عوامل الاستجابة لتحديات علاقاتها بثقافات عصرها، ومن المحتم أن تأتي هذه الاستجابة - مهما تأخر موعدها - معبرة عن هوية قومية ذات خصوصية حضارية لها مشروعها المتميز في دائرة، فهل تقدر التثاقف والحوار بين الحضارات. ووجه التحدي هنا أن تخرج الثقافة العربية من أسر الانبهار والمخاوف، وأن تتحرر من مفردات التهويل والصراخ التي لاتثق بالإنسان العربي ولا تطمئن إلى قدرة رسالتها على التأثير والإقناع، وإذا ماتوقف المثقف العربي قليلاً ليسأل نفسه: لماذا لايخشى الآخرون من ثقافته؟ لحملت الإجابة إلى نفسه قدراً من الاطمئنان يمكِّنه من تطعيم رسالة تثاقفه مع الآخر بمعززات التأثير الإيجابي والإقناع بالأفضلية.
إن العبث كله في دعوة الآخرين إلى الكف عن توظيف مفاجآت ظاهرة العولمة في مشروع يسعى إلى تعريف العالم بثقافته وفرض هيمنتها عليه، فلكل أمة دافعها إلى هذا ومصلحة منه، وبدلاً من هذا العبث لابد أن تبادر الثقافة العربية بموقف مماثل واستجابة مكافئة، وهي قادرة على هذا فقط إن أدركت خصائص تميزها ومقومات خصوصيتها، عندما ستكتشف أنها تملك إمكانات ذاتية إذا ماتضافرت مع متاحات ظاهرة العولمة فإنها تحقق للأمة العربية قوة تجعل من العولمة عصراً للثقافة العربية تستجيب فيه لفريضة تبليغ رسالة الله إلى العالمين وتواجه به عصراً يستدعي حضورها إلى موقع الحوار بين الحضارات. ووجه التحدي في هذا أن الثقافة العربية لاتنقصها مقومات القدرة ولامتطلبات الحاجة في الاستجابة لتحديات العولمة، فهذه متوفرة في الذات بدوافع إثبات الوجود الفاعل في حركة التاريخ، وفريضة تبليغ دين الله للعالمين، وهي ظاهرة في العصر ومفروضة من الآخر بالتحدي والمصلحة فلماذا تأخرت الثقافة العربية إذا عن صنع مشروعها المستجيب لتحديات العولمة؟
لقد تأخر هذا لأن الغائب عن هذا المشروع: الإنسان والإرادة، وبمعنى آخر، غياب الحرية والإبداع، فإذا كانت العولمة تلغي إمكانات المنع والاختيار، فلاشيئ أفضل من الاعتراف بأولوية الحرية والمسارعة بإشاعتها كمناخ لازم للإبداع والانفتاح، وشرط لانتصار الإنسان العربي في إبداع اختياره وإنقاذ إرادته، وهذا مجمل مانقوله عن مؤشرات الاستجابة ثقافياً لتحديات العولمة، وأياً كان تنوع هذه المؤشرات، فإنها تقوم على أساس واحد: إنسان حر ومبدع وهو مانخلص إليه في هذه الرؤية، ونوجز بقولنا إن تحديات العولمة تستدعي في الثقافة العربية إنسانها الحر المبدع، باعتباره رهان التحدي في الظاهرة والهدف الأوحد من مشروع الآخر فيها، وباعتباره أيضاً فاعل الاستجابة للتحديات: رسالة وأهدافاً، وسيلة ونجاحاً، فهل تقدر الأمة العربية هذا الإنسان، وتتيح له فرصة الميلاد ليبدع مشروعها لصناعة الثقافة في عصر العولمة؟!<!-- #EndEditable -->

 

  • Currently 30/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
10 تصويتات / 784 مشاهدة
نشرت فى 13 سبتمبر 2006 بواسطة amanykaseb

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

230,192