على جمال الدين ناصف

                بورسعيد -  مصر

                                     يكتب :

 

الرجال يطالبون بحقوقهم من النساء ..!!

 

        أصبح واضحا فى الأونة الأخيرة ما تطالب به المرأة من حقوق ، فقد خلقت لها العديد من   المنظمات التى تسعى لأن تنال المرأة حقها ،  من هؤلاء الرجال الظالمين الغاصبين لحق المرأة عبر السنين ،  و كأن كل شئ عند المرأة قابل للاغتصاب من قبل الرجل ،  فهنا صياح و هناك صراخ لإعطاء المرأة حقها المغتصب والمعتدى عليه ،  ولا أعتقد أن هناك رجل طبيعى ليس به أى من عوارض الاهلية يقبل ألا يعطى المرأة حقها المنصوص عليه دستوريا و أخلاقيا و دينيا فى أنها لها من الحق و عليها من الواجب مثلما للرجل تماما ،  بل من شهامة الرجال أن يضحوا  ولو بالقليل فى سبيل إكرام المرأة لكونها أم و عليها من الاحمال ما يجب أن يكون الرجال رحماء بها ، و لا يغفل لهن حق إلا أن كانوا من أنصاف الرجال ، و إن كل دساتير الدول على ما أعتقد تعلن بوضوح و تكفل كل الحقوق لاى مواطن بإختلاف الجنس و اللون و الدين ،  حتى الطبيعه تلقى على الجميع تحية البرد فى الشتاء ،  و تحية الحر فى الصيف ،  لا تفرق فى الحق بين  أى منهم  ،  و لكن هذه الطبيعه العادلة و التى قدرت الاشياء فرأينا فيها العداله و إرتضينا حكمها لانه قدرى ،  لا حول لنا فيه ولا قوة ،  فلم تشاء  الطبيعه أن تمنح بنى البشر على إختلافهم الكمال ،  فالعزة لمن له  الكمال كل الكمال  ،  و لعلنا نلحظ بأن الطبيعة شاءت ألا تجعل الرجل إنسانا كاملا ،  و لا من المرأة إنسانا كاملا ،   بل جعلت منهما معا إنسانا كاملا .

 

     نقصت  فى الرجل ما أكملته فى المرأة ،  و نقصت فى المرأة ما أكملته فى الرجل ،  وضعف فى الرجل ما قوته  فى المرأة ، و قوت فى المرأة ما أضعفته فى الرجل .

     فحيثما وجدت نقصا فى المرأة فاطلب كماله فى الرجل ،  و حيثما وجدت نقصا فى الرجل فاطلب كماله فى المرأة .  فقد تم إعدادهما بقوة القادر بشكل يجعل منهما كلا صالحا للاخر ، كفريق الموسيقى يكمل الطبل مانقصه المزمار ، و يكمل المزمار ما نقصه الطبل ،  و لا تجمل الموسيقى إلا بهما معا .

 

       فإن أنت رأيت فى الرجال حبا فى التعميم رأيت فى المقابل فى المرأة حبا فى التخصيص .  فتراها تحب فى العلم المثال الجزئى ،  بينما هو يحب القاعدة الكلية ،     فإن هى تكلمت عن المنزل تكلمت عن منزلها و قارنته بمنازل صديقاتها ،  و أما هو فسرعان ما يلجأ إلى ذكر قاعدة عامة .  و هى إذا تكلمت فى الحب تكلمت فى حبها أو حب مثيلاتها ،  و هو إذا تكلم فى ذلك انتقل سريعا إلى وضع قوانين للحب ،  فنظرتها على العموم -  نظرة جزئية نفاذة ،  و نظرته على العموم _  نظرة شاملة و قد لا تكون دقيقة .  و إذا هو تكلم عن الجمال يعرضه كفكرة مجردة ،  تكلمت هى عن فلانة الجميلة أو فلان الجميل .  و إذا قال هو ما أحسن السماء ! قالت هى ما أجمل القمر !  لأجل هذا كانت المرأة فى العمليات خيرا من الرجل .  و كان الرجل فى النظريات خيرا من المرأة .

 

       مما يلاحظ أيضا بأننا لا نرى فلاسفه من النساء فى الطبقة الأولى ،  لأن الفلسفه أساسها التعميم و هى لا تحسنه ،  و أساسها النظريات و هى لا تجيدها .  فقد تجد طالبات فلسفه ،  و قد تجد حائزات لشهادات فلسفية ،  ولكن قل أن تجد فيلسوفة خالقة لنظريات فلسفية ،  فذلك ليس من طبعها عادة . 

 

      هى تحسن تدبير المال أكثر مما يحسن الرجل ،  فإن أعطى مال للمتعلمات و أعطى نظيره للمتعلمين لكان الأغلب و الأرجح أن تحسن المرأة إستعماله أكثر من الرجل ،  و لا تنفقه فى مشروعات خياليه كما يفعل الرجال ،  و لا تقامر به لأن المقامرة نوع من المشروعات الخيالية ، و لا تفنيه إفناء سريعا إعتمادا على ما يأتى به المستقبل كما يفعل الرجل ،  بإعتبار الرجل أكثر نظريات و أوسع خيالا ،  وهى أحسن تقديرا للواقع و أقرب آمالا .  و كذلك  الامر فى الخيال كالأمر فى فى النظريات ، و مصداق ذلك نظرة إلى الشعراء ، فالشعر ميدان الخيال و قريب الصله بالفلسفة .  و المرأة لا تحسن الشعر كما لا تحسن الفلسفة ، فإن بحثنا فى الأدب العربى فقل أن تجد إمرأة كالخنساء ،  و مع هذا فما الخنساء و ما شعرها ؟  إن هى إلا ندابة مؤدبة لم تحسن القول إلا فى رثاء أخويها .  و أكثر ما روى عن النساء فى الشعر إنما هو من قبيل الرثاء القريب الخيال .  و هو ليس إلا بكاء على فقيد جزئى محسوس صيغ فى قالب شعرى محدود . 

 

      ليس هذا ما يمس مكانة المرأة فى شئ .  فكلتا النغمتين من الميل إلى الواقع و الخيال لا بد منهما فى هذا العالم ،  فالرجل يتقدم فى الحياة و يخاطر و يجمع المال ،  و هى تدبر و جوه إنفاقه ،  و هو له السلطان الأكبر خارج البيت ، لأن ذلك مجال المخاطرة و النظريات و الخيال ،  و هى لها السلطان الأكبر فى البيت ، أنه مجال التجربة العمليه و النظريات الجزئية و الخيال المحدود.  فهن محافظات غالبا ،  و هم أحرار غالبا ،  فالثورات الاجتماعيه والدنيه و السياسية من الرجال أولا  ،  لا من النساء ،  حتى طلب تحرير المرأة كان من قاسم أمين أولا ،  قبل أن يكون من هدى شعراوى ،  و لعل ذلك فى كل الدول نراه كما هو فى مصرنا ،  فالانبياء رجال لأن النبوة دعوة و الدعوة ثورة ،   كذلك الإلحاد فى الرجال أكثر منه فى النساء ، لأن الإلحاد ثورة أيضا ، و الثورات السياسية وليدة الرجال لإنها و ليدة الخيال ،  و هن يكرهن الثورة ويكرهن الخيال . 

 

        و لعل سعة خيال الرجل و ضيق خيال المرأة ،  و جريه وراء النظريات ،  وميلها إلى تحديد الحياة بالواقع ، هو الذى جعلها تسيطر على حياة الحب ،  فبيدها المفاتيح لا بيده ،  هو يسبح وراء خياله ،  و هى فى الغالب أملك لنفسها منه و خير منه فى تقدير الواقع و الاعتراف بالحقائق .

 

     و لعلنا إذا كان لدينا إحصاء دقيق عن المنتحرين لفشل الحب لوجدنا أكثرهم رجالا ،  و لعل أكثر من إندفع فى سبيل الخيال من النساء كان بإغراء الرجال و بفضل ما أجادوا من سحر القول و إتقان الغزل و البلاغة فى الفن .   قد تبدو المرأة أحد عاطفة من الرجل ،  فهى سريعة الرضا سريعة الغضب ،  سريعة الحب سريعة الكره ،  ترضيها الكلمة و تغضبها إشارة ،  قريبة الدمعة قريبة الابتسامه ،  ترق فتذوب حنانا ،  و تقسوا فما تأخذها رأفة ،  تحب فتصفى الود ،  و تعادى فويلاه من عداوتها .  حتى فى عواطفها و عواطفه هى عملية و هو نظرى ،  تحب فترسم خطط الزواج ،  و تبغض فتطلب الفراق ،  و تسر فكل شئ يدل على سرورها ،  و هى ضاحكة وهى مغنية و هى مرحة ،  و تحزن فكل شئ يدل على بكائها ، فهى عابسة ، و هى مكتئبة ، و هى توقع نغمات محزنة ،  ثم هى تحب مشاركة الناس لها فى سرورها و حزنها أكثر مما يحب الرجل . 

 

         و لعلى أقر إنصافا للحق يجب أن نذكر أن المرأة فى عصور التاريخ لم تتح لها كل الفرص التى أتيحت للرجل ،  فلا منحت من الحرية ما منح ،  و لا مهدت لها وسائل التعلم كما مهدت له ،  و لا تحملت من المسئوليات ما تحمل ،  و لم تبدأ تتمتع بحريتها و تتاح لها سبل التعلم إلا من عهد قريب ، على حين أن الرجل ظل قرونا طويلة حرا طليق يتعلم ما يشاء و يزاول الأعمال و يتحمل تبعاتها .  و الان و قد اتيح للمرأة ما لم يتاح لها من قبل و أصبحت تنال حقها بعدما غبنها فى عصورالتاريخ الاولى ،  فهل هى ستبقى هذه الفروق ستبقى كما بيناها من قل ؟ أم تضمحل هذه الفروق تبعا للسير فى سبيل المساواة ؟ أم تكون المساواة فى الحقوق و الواجبات و هذا أمر طبيعى ،  لكن ما أخشاه أن ينتهى بنا المطاف لنسمع نداء الرجال بالمطالبة بالحقوق التى إغتصبتها النساء ،    لا بد أن تكون هناك إجابة سوف يكشف عنها الزمن .

 

المصدر: على جمال الدين ناصف - بورسعيد - [email protected]
alynassef

على جمال الدين ناصف - بورسعيد

  • Currently 91/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
31 تصويتات / 146 مشاهدة
نشرت فى 3 نوفمبر 2009 بواسطة alynassef

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

12,904